عجبتُ وقد دبَّتْ على الأرض نملةٌ
أتاحت لها الأقدار من قِشِّها طُعْما
فأمعنتُ تفكيرًا بها فرأيتُها
- وإن صغرتْ - قد فاقت الهُضُبَ الشَّمَّا
رأيت بها مثلي ومثلك عالمًا
كبيرًا، وكونًا لا نُحيط به عِلْما
تُواصلَ مسراها إلى الغاية التي
توخَّتْ، ولم تقنعْ بأرزاقها حُلْما
خذوا لكمُ منها دروسًا تحثُّكم
لسَعْيٍ، ولا تشكو الكَلالَ ولا الغَمَّا
فليس كَلالُ العيش إلا لمؤْثِرٍ
على الجدِّ في راحاته الفقرَ والعُدْما
أتت نحونا تمشي وتحمل رزقَها
على فمها لما به رضيتْ قِسْما
مشت في طريق لم تَخَفْ حادثًا بها
وما أحدثت سوءًا ولا اقترفت إثما
تَجدُّ وتسعَى فهْيَ لو سُئلَتْ إذًا
لقالت نعم كي لا أجوعَ ولا أظما
فأبصرها مُسْتحقِرٌ قدْرَ ذاتها
وقد شاء أن يلهو فأرهقَها ظُلْما
وسدَّ عليها الدربَ من كل وُجْهةٍ
فحارتْ كما قد سار في مهمهٍ أعمَى
وحَرَّقَ رجليها بنار «لُفافةٍ»
له فكَبَتْ تشكو قساوتَه العُظْمَى
تزيدُ انكماشًا كلما زاد كيَّها
فتعجبُ منه وهْيَ ما ارتكبت جُرْما
وخلَّفَها تبغي النهوضَ فلم تُطِقْ
وأعرض عنها والذي شاءه تَمَّا
وقالت له - والنار تأكل جسمَها -
ولكنَّها لم تقْوَ أن تُسْمِعَ الصُّمَّا
أغرَّكَ يا بنَ الماء والطين أنني
دقيقةُ جسمٍ بعد ما فُقْتَني جِسما؟
وأنِّيَ خرْساءٌ، وأنكَ ناطقٌ
وكم ناطقٍ لم يبلغ الخُرْسَ والعُجْما!
وأنكَ وحْشيٌّ بطبعك، ظالمٌ
وإن لم تجد بالظلم في عملٍ غُنْما
وأنك إن تُنْزل بيَ الموتَ لم تَخَفْ
عدوًا مُغيرًا يطلب الثأر أو خَصْما
وأنك ذو حَزْمٍ، فسَلْ ذا معارفٍ
يُخَبِّرْك أن النمل فوقكمُ حزْما
نعيشُ فلا يطْغَى على البعض بعضُنا
غرورًا، ولم نَدْرِ السبابَ ولا الشتْما
ونحيا جميعًا للتعاون بيننا
لنبنيْ إذا ما زدتمُ بينكم هَدْما
وإن ثارتِ الأطماع فيكم فأنشأت
حروباً فإنَّا لم نَزَلْ نُنْشئُ السلْما
أو امتلأتْ حقدًا وهمَّاً صدوركم
فإنا جَهِلْنا الحقدَ في العيش والهمَّا
ولم يُطغِنا فرْطُ الغنَى ويُضلَّنا
فنستخدم البُلْهَ المساكينَ والبُكْما
وسُؤنا بكم ظنًا ملوكًا وسُوقةً
فخفنا ابنَ داودٍ وأجنادَه قِدْما
تأملْ قُرانا تحتقرْ مُدْنكم وما
حَوَتْ من لذاذاتٍ تفيض ومن نُعْمَى
وشاهِدْ نظام النمل في العيش بينها
لتبغضَ في الناس القوانينَ والنُّظْما
ترانا سواءً في الحقوق فما تَرَى
جُحودًا لحقٍّ دون آخرَ أو هضْما
يؤلِّفنا حبُّ التآخي فلا يدٌ
تنعِّمها الأخرَى التي كَلْمُها يَدْمَى
ولم تستبدَّ العُنْجُهيَّاتُ بيننا
فهذا لذا يُعْزَى، وهذا لذا يُنْمَى
وهذا أجلُّ الناس قَدْرًا ورُتْبةً
وأغزرهم علمًا، وأرجحُهم حِلْما
وهذا كهذا أوفرُ القوم ثروةً
وأشرفُهم خالاً، وأكرمُهم عَمّا
وهذا الذي تخشَى المنايا لقاءه
وهذا الذي أخزت مواهبُه اليَمَّا
وهذا ابن من كالنجم يلمع مجدُه
وهذا الذي لو شاء لانتعلَ النَّجما
دَعاوَى تَزيدُ النملَ هُزْءًا بجنسكم
وهُجْرٌ كما تهذون إن جدَّتِ الحُمَّى
أمِنْ بعد هذا كلِّه أنتمُ الوَرَى
أُجِلُّ، رَمَى المقدارُ أخطأنا سَهْما
أغرَّكَ إذ عذَّبتني فتركتني
لنارك طُعْمًا أن مثليَ لا يُحْمَى
وأنك إنسانٌ يُصارعُ نملةً
كأحقر ما شاهدتَ ذاتًا دنتْ واسما
أحاذرْتَ - لو خلَّيتَها لسبيلها -
منازعةً عَلْياك أو مالك الجَمَّا؟
فأصليتَها تحت «اللفافة» نارها
علامَ تُرَى أصليتَها النار أو مِمّا؟
ألم تحْوِ قلبًا بين جنبيك موجعًا
لظلم بريءٍ ما أساء ولا هَمَّا؟
أكنتَ تراها لا تُحسُّ لضَعْفها
أذى، أتُرَى خصَّ الأذى الهيكلَ الضخْما؟
أمِ القوة الخرقاءُ شاءت، وكم لها
جرائمُ بين الخَلْق قد بعدتْ مَرْمَى
أمَ انك قد حاولتَ ساعة قتْلها
وتعذيبِها أنْ تُصبح البطلَ القَرْما
سلاحُك - إذ جَلَّ الحسام - «لفافةٌ»
تُميت بها ما دقَّ بينكمُ جِرْما
فتزهَى كذي بأسٍ يُهاجم لَبْوةً
بأجْمَتها مذ راح يَقْتحمُ الأجْما
وتختالُ مُعْتَزّاً كسارٍ على سَنا
مُهَنَّدة للروع في الليلة الظلْما
ولو كنتَ ذا فهمٍ تجنَّبْتَ نملةً
سعت تَتَحَرَّى الماء أو تطلُبُ الطعما
فإنك إذ أوردتَها القتلَ إنما
قتلت الشعورَ المدَّعَى فيك والفَهْما
أليس لها نفسٌ كنفسك تَزْدهي
مع الخير، أو تشكو مع الألَمِ السُّقْما؟
إذا العقلُ لم يردعْكَ عن ظُلْمِ هذه
فقل لي بماذا الوحشَ فُقْتَ أو البهْما؟
جنيت عليها لا لشيء طلبتَه
سوى اللهْوِ واستحققتَ في لهوك الذمّا
أما كان أحْرَى أن تَرى عِبْرةً بها
فتعلم منها السعيَ للرزق والعَزْما؟
ألستَ قُبيل الخَلْق وهْمًا وهكذا
تعود بأحشاء الثرَى أبدًا وهَما؟
ألستَ بهذا الكون أصغرَ ذَرَّةٍ
فلستَ بعين الكون من نملةٍ أسْمَى؟