الليل أسودُ والفِناءُ صفيرُ
والسقفُ يمطرُ واللحافُ قصيرُ
والأرض طينٌ والبساط مرقّعٌ
والجوفُ خالٍ والقفا منخورُ
والعينُ غائرة كانّ جفونها
شوكٌ وظهر الوجنتين كسيرُ
الثوبُ بالٍ والشتاء خيوطه
والحالُ من ضنْك الزمان فقيرُ
والجيبُ أعجزه الفراغ لحاجةٍ
والعزمُ من فقد المرام صبورُ
الكفّ ألبسها الشتاءُ خشونةً
والجسم أضعفه الشقا وعسيرُ
الروح مقبلة إذا ناظرتها
والنفسُ يرضيها القضا وضميرُ
والقلبُ يسعى والقناعةُ نبضه
والبالُ يملؤوه الرضى وشكورُ
الظّلُ مسكنه ونومه رائب
والحلم يملكه المنى وقديرُ
ما أرّقت عينَ القنوع فجيعةٌ
أو أوجسَ العزم الجسور زئيرُ
الفجر يأملُ والصلاة فطوره
والظهرُ من وطءِ العناء بعيرُ
عبدٌ إلى دنيا الفَناء مودّع
ورجاؤه عند اللقاءِ غفورُ
كوخٌ وربّك بالسعادة عامر
والخبزُ فيه مشبعٌ ووزيرُ
وعلى الضفاف إذا لمحت فمشرق
قصرٌ له صخْر الجبال جذورُ
وبه من الدنيا الغرور جميلها
وبناؤه تبرٌ به التصويرُ
القصرُ مغرور بكنهه ساكن
في ساعديه أساورٌ وصقورُ
كلّ الوسائل للثراء مباحة
والكرشُ من خبث الحرام كبيرُ
المال يكنزُ والجيوب مليئة
والبالُ في حفظِ الكنوز أسيرُ
لم يشبع المُلْكُ المراد عيونَه
فكأنّما دنيا العطاء عقورُ
عبدٌ وربّك للمطامع صاغر
وإلى الكراسي خادمٌ وغفيرُ
ملؤه الموارد واليدان غليلة
والليلُ من نزر المنام عصورُ
البالُ عن فعل الفرائض غافلاً
والقلبُ عن ذكر النعيم ضريرُ
بالهمّ قد عاشَ الحياة خسارةً
وجزاؤه يوم الحساب سعيرُ
الموتَ ينسى والخلود مراده
والموتُ في وئد الحياة خبيرُ
دنيا القصور موائدٌ ومحافلٌ
لكنّها رغم الضجيج قبورُ
كوخًا تراه بالسعادة مفعمًا
ورياضُ قصر بالنياح تمورُ
فوق التراب تميّزٌ لكنّه
تحت الثرى متشابه وحقيرُ
القصرُ لا يهبُ النفوس سعادةً
والكوخُ لا يلدُ العنا ويضيرُ
تُحيي القناعة في النفوس سكينة
كالطفلِ عند الوالدين قريرُ
خير القناعة في حماسة ساعي
ومرامه عند الظلامِ بدورُ
الخير إن طلت المعالي قانعًا
فالأرض خصبٌ والسماءُ مطيرُ
لا خير في عبدٍ فقيرٍ قانعٍ
وشخيره حتّى المساءِ جهورُ
إنّ القناعة للطموح مراكبٌ
ومن البلاء إلى الفلاح جسورُ
العيش بالآلام ليس قناعة
إنْ لم يكن نحو الشفاءِ مسيرُ