نشرتْ ذكاءُ على ربا أسوانا
منذ الصّباح جناحها الفتّانا
فتضاحكتْ في الرّوض أزهارُ الرّبا
والطّير ترسِل شدوَها ألحانا
فكأنّها التِّبْرُ المذاب على النّقا
وكأنّ ماءَ النّيل صار جُمانا
يجري فتعترضُ الصّخورُ طريقَهُ
فيصدُّ عنها ساخطاً غضبانا
وعلى حوافيها تكسّر موجُهُ
وارتدّ يعلنُ عجزهُ إعلانا
صمدتْ لهُ حينًا فلم تحفل بهِ
فتعانقا واستشهدا «الخزانا»
يرضى فتبخل بالبكاءِ عيونُهُ
والنّيل يجري هادئًا جذلانا
إمّا تراه من القناطر دافقًا
كالقطن مندوفًا ترى إحسانا
لبنٌ مصفّىً ذو بياضٍ ناصعٍ
ما أبدع الألوانَ والألبانا
أمّا الصّخور فقد عرتْ وتكشَّفتْ
وبدت نواجذُها رِضًا وأمانا
والفلكُ تجري حولها في فرْحةٍ
نحو «الجزيرة» تحملُ الرّكبانا
قد شفَّهم شوقٌ إلى فردوسها
ليروا هناك النَّرجس الوسنانا
وإذا تسيلُ عيونهُ منهلّةً
تهمي فيجري دمعُها هتّانا
تجد الجنادلَ طامنت من هامها
تُلْقِي التحيّةَ، لا رِيا وهوانا
لكنْ فتاها النّيلِ مرّ بحيِّها
فعنتْ له هاماتُها إذعانا
وهو الذي عبدته دهرًا أمّةٌ
وإليهِ ألقت غيدَها قربانا
نشروا بواديه الحضارة غضَّةً
واستنطقوا الصَّخر العييَّ بيانا
آثارهم في كل وادٍ حيَّةٌ
قامت على عمرانهم برهانا
وهناك في «أنس الوجود» صحائفٌ
للمجد خُطَّتْ في ربا أسوانا
دنيا من الخلْد استقرّتْ بيننا
أعيتْ مقلِّدها يدًا ولسانا
يأتي إليها السائحون ليقبسوا
من راحتيها النّورَ والعرفانا
من كل ذي مالٍ وكل مليحةٍ
نالت لديهم مصرُنا استحسانا
جاؤوا إليها طائرين على هوًى
يستبطئون الرِّيحَ والطَّيرانا
من كلِّ وادٍ مقبلون ليشهدوا
نورَ الحضارة ساطعًا ألوانا
قومٌ لهم شغفٌ بكلِّ تليدةٍ
والحرُّ يركب للعلا طوفانا
بذلوا بوادي النِّيل كل نفيسةٍ
والمال يَرخص للعلا أثمانا
انظرْ تجدهم في الشِّتاء طوائفًا
نحو «الصّعيد» تدافعوا ركبانا
فترى الفنادق والمراكب أصبحت
ملأى بهم، والسّوق والبستانا
تركوا الثّلوج بأرضهم تعلو الرُّبا
والرِّيح صِرٌّ تخمش الأجفانا
والمزن تبكي، والسّماء ضريرةٌ
والشّمس تمعن في الخفا إمعانا
لا تستبين العين من إشعاعها
إلاّ بريقًا يخدع الإنسانا
عشقت شريعة أحمدٍ فتحجّبتْ
رأد الضّحى، ونأتْ هناك مكانا
أما بمصرَ فقد نضتْ عن وجهها
ثوب الحيا فرأيتَهُ فتّانا
لم تبْدِ يومًا في غلالةِ ناسكٍ
أو تشكُ من سحب السّما طغيانا
سفرتْ وجالتْ في السّما غربيّةٌ
تُغري الشيوخ وتفتن الشّبانا
فالكلُّ مفتونٌ بطلعةِ وجهِها
ويظلّ يرقب خِدرها ولهانا
جرَّت على الوادي الوديع ذيولها
فإذا النّشاط يداعب الأبدانا
والقوم قد بكروا إلى أعمالهم
فهناك شيخٌ يفتح الدّكّانا
وهنا شبابٌ يحفرون خنادقًا
لم يشتكوا رهقًا ولا عدوانا
وإلى ديار العلمِ أقبل فتيةٌ
يترشّفون الدِّينَ والعرفانا
إن كنت ذا صدرٍ يقاسي علَّةً
وأردتَ من بردِ الشّتاءِ أمانا
أو رمْتَ مشتًى بالهناءةِ حافلاً
وبه المناظر تخلبُ الوجدانا
فاشددْ رحالك واغتنمْ فصلَ الشِّتا
وأقمْ هنالك في ربا أسوانا