هبَّ النسيمُ فراحت أغْصُنُ البانِ
تميسُ بين دمقسٍ مَيْسَ نشوانِ
وللنسيم على زهر الرُّبا سَحَرًا
لهيبُ شوقٍ يواتي كلَّ ولهان
وقد سَرَت زفراتٌ منه يرسلها
ففاح طيبًا لزهدٍ أو لتَحنان
وأيقظ الهمسُ ما في الماء من دعةٍ
وهزّ ما فيه من صوتٍ وألحان
وخاله الطّيْرُ شدوًا فانبرى غرِدًا
ونافس الماء في شدوٍ وإحسان
وطاف فيها خيالي فارتوى سكَرًا
وتهتُ فيها فلم أعبأ بأشجان
وكلّ معنًى بدا في الروض منهلُهُ
ما في العروبة من روحٍ وريحان
وللعروبة شأنٌ جلَّ من زمنٍ
من عهد يعربَ أو من عهد قحطان
كانت تُقام لها الأسواق تلهمها
بما تعارف من حَزْنٍ وقيعان
فكم زهت بعكاظٍ كلُّ مكرمةٍ
وصفّق المجد في لخمٍ وغسان
وهذّبت في ظلال الفنّ منطقها
وكرّمت من وفًا في صلح ذبيان
وقاومتْ قوةً للفرس عارمةً
في يوم «ذي قارَ» من حزمٍ وأعوان
حتى أتاها بشير العُرْب فانهمرت
سحائبُ المجد تهمي كلَّ عِرفان
بدت بأكْرمَ للأمجاد تزكيةً
وللحضارة في عمقٍ وإيمان
خطت على درجٍ تختال في حُللٍ
عزّت بلون الهدى من غير سلطان
تحرّر العُربُ من جورٍ توارثهم
وحرّروا النّفس من فيضٍ وحرمان
طافت تردّد للدنيا بشائرها
وتُنبت العزَّ في صخرٍ ووديان
فلم تدَعْ صخرةً في الأرض جامحةً
ولم تَذر مَهْمهًا من غير عمران
ويومَ أهدت إلى الإفرنج ساعتها
قالوا هي السِّحر أو مسٌّ من الجان
فلو نورِّث عنها بعضَ ما عَمَرت
لكانتِ الهند منها بعضَ أوطان