لا العهدُ نجا… ولا أنا
نَسَجتُ الصمتَ رداءً كي لا تُفضَحَ لَهفتي
ولكنَّ الشوقَ يفضحُ حنينَ الأصمِّ
عاهدتُ صمتي مكابرًا ألّا أبوحَ بسِرِها
فخارتْ نياطُ القلبِ، وشُلَّتِ السهامُ الحَزمَ
تهاوتْ الحواسُ في فنائها وتناثرتْ
فكيفَ بعهدٍ يُقاوِمُ، وراياتي مستسلمة
تسلَّلَ من صدى صوتِها شرخٌ أوجعَ مُتَقَلَّبَي
وبانَ على الفؤادِ شوقُ البيداءِ لغيابِ الأنجُمِ
جمالُها العَذريُ سلبَ الفؤادَ والهواجسَ
فهي السبيلُ، ولا سبيلَ للروحِ إلا أنْ يُحجِمِ
رشيقةٌ سمراءُ تعلو ربيعَ البساتينِ
ومقلتاها نهرانِ يفيضُ منهما أنعَمُ النِّعَمِ
تخطو، والنسيمُ يَعزِفُ مفاتنَ الحسناءِ
وتجتمعُ الأنغامُ حولَ خصرِها المُترنِّمِ
ويا للِفؤادِ بِشَذْوِ النسائمِ يُغني وينتشي
وكأنَّ البَهاءَ في البسمةِ والمِعصَمِ
طِفتُ تائهًا في المُقَلِ، كاليمِّ في لُجَّةٍ
فلم أهتدِ للِمرسى من سوادِ بؤبؤٍ عَسقَمِ
فغدوتُ بينَ أجفانِها ضريحًا لا أُحرَّكُ
فَبِبُعدِها أنا قفرٌ والدمعُ في الخدِّ منهجمِ
طلَّتْ كالسَّنا، فانجلى الليلُ عن جفوني
وتمايلَ الندى في وريدي باهِتًا مُنصرِمِ
أحبكِ فلا قدرةَ لي أكثرَ على الجحودِ
فلا العهدُ منكِ نجا، ولا سَلِمتْ معالمي
فإن غِبتِ ستبقين أنشودةَ نغمتي
وبسكناكِ أصحو من هيامي ومآلمي
فدعيني أذوبُ على وجنتيكِ كرحيقِ زهرٍ
فأنتِ المنسكُ الفوّاحُ، ومطلعُ شعري القادمِ