تخطَّ إلى المحتوى

وفأر خبيث قد ألم بدارنا

غير معروف

٥٤ بيت

المتفرقات

وفأرٍ خبيثٍ قد ألمَّ بدارنا

فقرَّ بِها عينًا، وطابت له شُربا

أتى مستضيفًا لائذًا بجوارنا

فألفى مراحًا في جوانبها خِصبا

وأَغضيتُ عنه بادئ الأمر مصْغِرًا

أذاه، فلم أحفل به نام، أم هبّا

وآويت ضيفًا طارقًا، قد حسبتُهُ

وفيّاً بحق الضيف، لا فاجرًا خبّا

ومن عجبٍ أنَّا حميناه فانبرى

يشنُّ علينا من مكايده حربا

يجوس خلال البيت، لا متهيِّبًا

مَصَادًا ولا يخشى رقيبًا إذا دَبّا

يروح ويغدو مطلقًا فتخاله

عشيرًا لأهل الدار بل مالكًا ربّا

وفي المخزن المعمور يمرح عائثًا

ينال طعامًا سائغًا مشتهًى عذبا

عطاءٌ بلا مَنٍّ، ورزقٌ ميسَّرٌ

وكسبٌ بلا كدٍّ، فأنعِم به كسبا

أغارَ على الأثواب غارةَ فاتكٍ

فيا وَيْبَ أثوابي بأنيابه وَيْبا

ولا تسلَنْ عمّا أصاب مظلّتي

وقد باهت الغربال تَفْخره ثقبا

«ومن يصنع المعروف في غير أهله

يجازوه سوءًا وهْو لم يقترف ذنبا»

كذاك سليل السوء يغْذوه ربُّه

فيُمْلي عليه اللؤمُ أن يأكل الربّا

أقام له في السقف جُحْرًا مخبّأً

منيعًا، يحاكي في تناوله السُّحْبا

كوَكْرِ عقابٍ فوق قُنَّةِ شامخٍ

حَمَتْه فسلَّتْ من مخالبها قُضْبا

وأضرمتُ في السقف اللظى لأُهِيجه

فعادت هباءً لم تحرِّك له قلبا

وظل بكِسْر الجحر معتصمًا به

فأطفأتُها كيلا أضيرَ بها الخُشْبا

دسسْتُ له سمّاً مُميتًا لحينه

وأكبر ظني أنْ سيقضي به النَّحْبا

حشوت له الكبريت في طيّ كِسرةٍ

صببتُ مياه النار في جوفها صَبّا

فعاف تعاطيها، وأعرض نائيًا

ومن ذا الذي أنباه أنَّ بها عيبا

وجئت بقِطٍّ كالهِزَبْرِ بسالةً

ضليعٍ بصيد الفأر يسبقه وثبا

ومصيدةٍ كم أحكمتْ صيدَ مثله

جعلت قِراها اللحم والتين والرُّبّا

ولم أرَ فأرًا مثله متيقِّظًا

بصيرًا بأسباب الردى حاذقًا طَبّا

إذا ما أحسَّ القطَّ فرَّ مولِّيًا

فِرارَ ظليمٍ مُفزَعٍ، يبتغي المخبا

نصبت له فخّاً صيودًا لو انطوى

عليه لأرداه وذاب به ذوبا

وأيقنت أني لا محالةَ ظافرٌ

ولكنني لم أقضِ من نيله إرْبا

وأبصرتُه يمشي لدى الباب مرةً

فأقبلت أعلو رأسه بالعصا ضربا

فأخطأت مرماه وبُؤْتُ بحسرةٍ

وأسرع عدْوًا كالجواد إذا خبّا

صبرت على كيدٍ له يُورث الجوى

وأوسعته من فرط موجدتي سبّا

إذا ما مناك الدهر يومًا بحادثٍ

وجرّد سيفًا من ملمّاته عَضْبا

فكن حجرًا صلدًا لمعول بأسه

ومن يعتصمْ بالصبر يستعذبِ العُقبى

ولا تبخعنَّ النفس حزنًا ولوعةً

لعل وراء الغيب يُسْرٌ به تُحبى

وكم قد حمى عيني لذيذَ رقادها

بقَرْضٍ مخيفٍ يسلب العقل واللُّبّا

ولم أنسه إذ ضجّ في الليل ضجةً

فسهَّد أجفاني، وأفعمني رعبا

وساورني همٌّ، وخلْتُ كأنما

ألمَّ بنا لصٌّ يروم لنا سلبا

نهضت لأقْصيه وأحمي ذِمارنا

إذا فأرُنا في الفخ يسحبه سَحبا

وقد نشبتْ رجلاه فيه وذيله

وأيقن أن الموت حاك له ثوبا

فتهت سرورًا، واغتبطت كأنني

بميدان حربٍ قد غنمت به نهبا

ولم يألُ وسعًا في الخلاص مجاهدًا

جهادَ غريقٍ يائسٍ ينشد الصحبا

وما هي إلا غمضةٌ وانتباهةٌ

ففرَّ طليقًا، بعدما كاد أن يُسبى

ولاذ بأذيال الفرار مسارعًا

وراح يجوب الأرضَ ينهبها نهبا

ورحت أعضّ الكفَّ من فرط حسرتي

ومن سوء توفيقي، فتَبّاً له تبّا

عييتُ به لا أستطيع صِدامه

عييت به، والمرء يعجز لا ريبا

وإن لم يَحِن حَيْنُ الفتى يتخطَّهُ

ولو نُصبتْ أشراك قاتله نصبا

وإن حان أرداه ولم يُغْن حِذره

وأعلقه شرقًا توجَّه، أم غربا

ولقَّنني أن النجاة من الردى

ميسَّرةٌ ما دمت تستشعر الدأبا

ولقَّنني أن النجاة من الردى

ميسّرةٌ، ما دمت تستسهل الصعبا

ألا أيها الضيفُ المثقَّل، حسْبُنا

مللناك حِبّاً، فاتخذ غيرنا حِبّا

وقطِّعْ حبال الوصل «واقرضْ» عهوده

وإن كنت فينا عاشقًا مدنفًا صبّا

أقمتَ بمغنانا ثلاثةَ أشهرٍ

فبادرْ وأخلِ الدار نُخلصْ لك الحُبا

وسوف تنالُ الخصبَ في غير ظلها

وتعتاضُ من ضيقٍ بها منزلا رَحبا

أيا ربِّ هل تُشفى بمَرداه مُهجتي

أرى دمه يجري على الأرض مُنصبّا

يمينًا لئن أظْفَرْ به لَفَريتُه،

ولن أنثني حتى أواريَه التربا

وإن متُّ مَوتورًا ولم تُشفَ علّتي

قضيتُ بدائي لا أنالُ له طِبّا