وسارَ إلى البيتِ العتيقِ بالميقاتِ
تَجَرَّدَ من زيفِ الحياةِ وكلِّ ما
يشوبُ صفو فؤادِ من الظلماتِ
إلى رَحْبها تمضي القلوبُ كأنّها
نجومُ دجى ترجو به نفحاتِ
يُطوفون بالبيتِ العتيقِ مُكبّرين
يَفيضُ على الأرواحِ بالبَركاتِ
ويسعَون بينَ الصفا والمروةِ أملا
دعاءُ المُنى في رقةِ العَبراتِ
ومنْ بعدها في منًى مقامُ مُهلّلٍ
يُقِرُّون بها للهِ بالطاعاتِ
أتَدري مقامَ الحجّ في عرفاتِ؟
وما فيه من نورٍ ومن رحماتِ؟
إذا لاحَ فجرُ التاسعِ ابنِ ذي الحجى
تجلّتْ على الآفاقِ أنوارُ الجلالات
ففي عرفاتٍ، حيثُ تسكبُ أدمعي
وأدعُو إلهي بالرجاء الجناتِ
تسيرُ الجموعُ الطاهراتُ كأنها
بحارُ ندى تمضي إلى الرحماتِ
تفيضُ الدعاوى في القلوبِ مهلِّلات
وترتفعُ الأصواتُ بالعَبَراتِ
فما من مقام مثلُه في فضله
وفيهِ ننال الأجر والدرجات
تفيضُ دموعُ الطهرِ في مزدلفة
تَبيتُ بها الأرواحُ في سَكَناتِ
فيا سعدَ من لبّى ونادى خاشعا
وسارَ على نورِ من النسماتِ
يرمي الجمارَ بكلِّ شوق صادق
كأنّه يرمي الشُّرورَ العاتي
وفي يومِ نحرٍ يُهرَق الهَدْيُ خاضعا
لربِّ السّما في أكمَل القُرُباتِ
ويأتي "الحِلقُ" أو "تقصيرُ" هيئتِه
بهِ يُختَتَمُ النُّسكُ من الطاعاتِ
ويُفِيضُ بعد الوقفِ في طَوافِه
ببيتِ الإلهِ، مُتمِّما سُنَنَاتِ
فَذاك تمامُ الحجّ إن طاب النّدى
وأُدِّيَ بالإخلاصِ والنيّاتِ
إذا ما انتهى الحاجُّ مِن نُسكِه
فَيمم إلى طيبةِ بالخطواتِ
تزُر خيرَ خلقِ اللهِ، طه المصطفى
شفيعَ الورى في الحشرِ والظُّلُماتِ
تُسلِّمُ في أدبٍ وتقفُ مُوقِّرا
بباب من الآياتِ والبركاتِ
فما زالَ قبرُ المصطفى متألقا
ضياءً يُجَلِّي غُربةَ الغُرباتِ
وزُرْ طيبةَ الغرّاءَ ترجو شافعا
لخيرِ الورى، طه، كريمِ الصفاتِ
فذاكَ مقامُ الحَجّ من شُرُفاته
تُضاءُ به الأرواحُ بالنفحاتِ
عليه صلاةُ الله ما دامَ الورى
يَسيرونَ نحوَ الحَجِّ بالدعواتِ