لمنْ رثائي؟ لمنْ أبكي وأنْتحبُ
«نبالُ»؟ ابنَ أخي! ما الخطب؟ ما السببُ؟
ودّعتك الظهرَ والضحْكاتُ طافحةٌ
بوجهك الغضّ بالإشراق تلتهب
وكان آخرُ قولٍ قلتَه ضَحِكًا
يا عمُّ سلّمْ فقصدي من هنا حلب
وما علمتُ بأني لن أراكَ غدًا
وأسهمُ الموتِ بالمرصاد ترتقب
حتى صحوتُ على الناعي بمئذنةٍ
فجُنَّ عقلي وغشّى قلبيَ الرُّعب
ذرفتُ دمعي فما أغنتْ غزارتُه
وصرتُ أبكي فما أجدانيَ الصَّبب
حَملتُ نعشَكَ والآلامُ تعصرني
وهدَّني الشَّكُ والأوهامُ والريب
وضمَّكَ القبرُ سرعانًا على عجلٍ
وغُيِّب البِشْرُ والإيناسُ والأدب
وعدتُ أرثي هنا والجرحُ مُلْتَهِبٌ
هل يطفئ النارَ في إبّانها اللهب
لئن تؤبّنني فالأمرُ محتملٌ
أمّا أؤبِّنهُ حقّاً هو العجب
بالأمسِ كنتَ هزارًا في مرابعنا
وصوتك العذب صدَّاحٌ بها طرب
ما ضمّنا مجلسٌ إلا وكنتَ به
غِرِّيدَ أنجُمِهِ دانتْ لك الشهب
تبقى تلملمها من كل ناحيةٍ
لتنظمَ العقدَ في ياقوته الذهب
هم المحبُّون من صحبٍ حُبيتَ بهم
بيض الشمائل في أفعالهم نجُب
بالأمسِ كنتَ وطيرُ السعدِ يخفرنا
واليوم نحن على ذكراكَ ننتحب
بالأمسِ كُنّا وليلُ الأنسِ يجمعُنا
واليومَ راحَ يُباكينا ويَنْسحب
كمْ جلسةٍ شهدتْ أبناءَ دارتنا
ونحنُ نرسمُ للأيام ما يَجبَ
فقد نخطّطُ والأيامُ باسمةٌ
غدٌ يراقب ما نبني ونحتسب
بالأمس كنتَ شبابًا كله أملٌ
تَبني المعالي وترقى فوقَها، تَثِب
إلى الثريا مددتَ الباعَ منطلقًا
خطفتَ أنجمَهُ والصُّبح يقترب
فزمجرَ الليلُ مستلاً كنانتَهُ
رمى السِّهامَ وفيها الموت والغضب