هو الخطبُ ما جفَّت لديهِ المدامعُ
وذابت أسًى منه الحشا والأضالِعُ
فكم غاضَ من نارِ الفوادِ دموعهُ!
وكم بردتْ نارُ الفؤادِ الهوامع!
أهيلَ الهوى ما الدمعُ منكم كمصرَعي
وكم في النوى للعاشقين مصارع!
فلو دامَ لي دمعٌ لأطفأتُ نارَكم
وما دمعُكم في نار قلبيَ نافع
وربَّ كئيبٍ ليس تندى جفونُه
وربَّ نديِّ الجفنِ خِبٌّ مُخادع
وللجفنِ يبقي في التصبُّر مطمعٌ
ولكن مع الأحشاءِ تفنى المطامع
وكيفَ يُرجّي الصَّبرَ إنْ ينأ قلبُه
وليس لهذا النأي في الأرضِ راجع
نأى القلبُ حفظًا للعهودِ مُخلِّفًا
أساهُ وليتَ العهدَ في القلب ضائع
فهل حاجةٌ للصبرِ في مرتعِ الهنا؟
وهل في جنان الخلد زرءٌ وفاجع؟
فما ضرَّه لو أتبع الصبر بالأسى
وكلٌّ بحكمِ العقلِ للقلبِ تابع
أسًى عنده صبرٌ وموتٌ تقاضَيا
فأين الذي يقضي وأينَ المُدافِع؟
أسًى فيه شرعُ الحقّ أضحى مضيّعًا
وإن كان قلبي الخصمَ من ذا أنازع؟
يُمثّله أهلُ القريضِ لخاطري
وتأبي سواهُ في الكلامِ المسامع
فلم يبق في الإفصاح غيرُ حروفهِ
ولم يبقَ في الإيضاح معنًى مطاوع
فإن قلتَ غصنٌ مورقٌ ضمَّه الثرى
فهلْ تُرتجى دون الترابِ اليوانع؟
وإن قلتُ غابَ البدر فالبدرُ عائدٌ
أو البحرُ غاضَ قلت دمعُكَ شافع
نعم في الحشا غصنٌ سقتهُ مدامعي
وقلبي عليهِ الدّهرَ بالنوحِ ساجع
نعم غابَ عنّا البدرُ قبل اكتماله
فتمَّ بمسراه وردَّ المنازع
وإن غاب ذاك البدرُ يُحجَبُ نورُهُ
وقد غاب هذا والسّنا منه ساطع
توارى بأفق الغربِ والشرقِ مطلعٌ
وهل كوكبٌ إلا من الشرقِ طالع؟
تغرَّب في نفسٍ نَزوعٍ إلى العُلا
وما نالها إلا نفوسٌ تُنازع
وغامَرَ لا يستعظمُ الحتفَ دونها
وليس عظيمٌ في المنونِ ودافع
بعزمٍ يعيرُ الماضياتِ مضاءَه
وكم فنيتْ بالعزمِ بيضٌ قواطع!
فحلَّ على قومٍ كرامٍ مكرَّمًا
فعزَّت بهِ أهلوهُ والعزّ شائع
وقامَ عن الأوطان أسطعَ حجةٍ
وقد جمعتهُ للعظام المجامع
يكرُّ على الفرسانِ في حُلّةِ النُّهى
وفي حومةِ الألبابِ تُقضى الوقائع
تفانى به حبًا وهذي حياته
ونال فناءً من حياةٍ تخادع
ومن لم يمتْ في حبّه فهو مدَّعٍ
وأكثرُ ما تلقى من الحبّ خادع
وكلُّ هوًى في غير علمٍ ضلالةٌ
وكلٌّ إلى موتِ الضلال يسارع
نعم في الهوى شركُ الهوان وإنّما
على غيرِهِ قد حرَّمته الشرائع
فما هام إلا في المروءةِ والنّدى
وما شاقه إلا همامٌ يقارع
ولم يرثِهِ إلا الوفاءُ وأهلُهُ
ولم يبكِهِ إلا أديبٌ وبارع
ولو كانَ يدري فضلَهُ ما نفى الهوى
وهل في هوى ذي الفضل نافٍ ومانع
فكان شقاءً للمحبين منذرًا
بأنَّ الأماني والغواني خوادع
يُفدّيكَ قومٌ في الحياة وإن تَمُتْ
يمُتْ ودُّهُم لؤمًا وتبقى الطبائع
خِساسٌ يعدّون الولاء تجارةً
وكلهمُ في الودّ شارٍ وبائع
وإنْ يدّعوا سَبقًا فإنَّ سباقهم
بساحةِ أهل اللؤم والذّم نائع
فإحسانهم ختلٌ ومجلوبُ حُسنهم
يباعُ كأنّ الحسنَ فيهم بضائع
ولا غروَ أن يهوى الزمانُ لئامَه
ففي اللّؤمِ ما بين العشيقينِ جامع
ولا بدعَ أن تهواه كلُّ قبيحةٍ
فمن قُبْحِه تُلقى عليها البراقع
أرى الدهرَ هيّامًا ببارقةِ الصّبا
على شيبه والشّيبُ في البرق لامع
ولكنَّ زهوًا في الصّبا معْه ينقضي
وكلّ أخي نبلٍ وإنْ شابَ يافع
وإنْ ساءَ من لحن المقال إشارةٌ
فإن لم يُشر قولي تدلُّ الأصابع
كذا سنّة العلامِ في أمرِ خلقه
تُعَفَّى المباني ثم تُبنَى البلاقع
ولابدَّ للأيامِ من عثراتها
وقد بشّرتنا في الطريق الطلائع
إذا ضاقَ ذرعُ الصبر في ساحة البَلا
فلُذْ فيه تلقَ أنَّ صبرك واسع
وإنْ ترض يَحْلُ الصبرُ في من فقدتَه
وليس يُرَجّى الصبرُ إنْ ضلّ جازع
ولو حُرِمَ الناس الحِمامَ لشاقَهم
وما صبروا والصّبر في الموت واقع
تعزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيًا
وما المالُ والأهلون إلا ودائع