مرّت الثلاثون، وأنت هناك، بعيدًا على قربٍ، قريبًا على بُعد
ما أفجع الذكرى! ما أسغبَ الوجع!
ذكرتكَ حين غادرني شبابي
وأوقدَ فيّ ملحمةَ اغترابي
شبابٌ كان في يدكَ اخضرارًا
تكَحَّلُ منه آماقُ السحابِ
وكنتَ له تُعَنْقِدُ ألفَ كرْمٍ
وتعصرُه لُبابًا من لُبابِ
وفي عينيكَ بستانٌ وفِيٌّ
تَسَنْبَلَ بالمواقيتِ العِذابِ
أخي في القلب أسئلة ظماءٌ
وَثِقْنَ بجودِ آبارِ الجوابِ
علام مضيتَ لم تكتبْ نشيجي؟
ولم تحملْ إلى الموتى خطابي؟
أتعرفُ أنني ما زلتُ حيًّا؟
أمهِّدُ للصَّباباتِ انسيابي
وأني منكَ منتظرٌ إيابًا
وإن جلّتْ مفاجأةُ الإيابِ
تؤوبُ؟ أجلْ، كأنك عدتَ يومًا
تفتِّشُ في ارتعاشكَ عن مآبِ
أجلْ ها أنت تحتضنُ الزوايا
وتستقري زمانَك في الرحابِ
وها أنذا أراك شممتَ حزني
فساقَك عطرُه، فطرقتَ بابي
فتلقاني على جمري مُكِبًّا
أُساقي وَحدتي خمرَ انتحابي
أتحسبُني نسيتُ؟ وكيف ينسى
فمُ المِحرابِ (فاتحةَ الكتابِ)؟
فطيفُكَ ما يزالُ يلوكُ جرحي
ويعصفُ بالمواعِدِ والصِّحابِ
ويمضي لا يُعِيدُ إليَّ جأشي
ولا يُغضي على نارِ التهابي!
(ذكرتكَ فانطويتُ على جراحٍ)
مُهَرَّأةٍ من الشجَنِ المذابِ
ذكرتُ، ولَفْحةُ الذكرى جليسٌ
يُلَقِّمُني سكاكينَ العذابِ
كأنكَ لي بهذا اليومِ تُنعَى
فتصطفُّ الكمائنُ لانتهابي
ثلاثون انطوتْ وأراكَ حُلْمًا
مسجًّى، مأتمًا فوقَ الرقابِ
كأنكَ قد دخلتَ على ضميري
ومنه أخذتَ عهدًا باكتئابي
وها أنذا وفَيْتُ، يَشيخُ ذهني
ولا أنسى تفاصيلَ المصابِ
أحدّثُ ما أحدّثُ يا صديقي
وبي من جمرةِ الزفراتِ ما بي
وسوف يفيضُ صوتٌ فوقَ صوتي
يشُنُّ صداهُ أسئلةَ انشعابي
أتدري أن قُسَّ الوحلِ أضحى
يُرَدُّ إليه تطهيرُ الثيابِ؟
وأن سُلالةَ الأشواكِ باتت
تلفّقُ للأزاهرِ شرَّ عابِ؟
أتدري أننا نُدمِي خُطانا
ونُطعِمُها فراعينَ السرابِ؟
وأنا راكبو وهْمٍ يُنادَى
بهم في التيهِ: (حَيَّ على التبابِ)
ويُفخَرُ بالنجومِ ولا نبالي
بأن نزدادَ فخرًا بالترابِ!
أحدّثُ عن حدائقَ هاوياتٍ
غبارًا، شانئاتٍ للضَّبابِ!
أحدّثُ عن سِلالٍ مترعاتٍ
حَصيدَ مرارةٍ، وغِلالَ صابِ!
وعن طينٍ تُخاتلُه المَرايا
فتعظُمُ فيه (جِيناتُ) الكِذابِ
وعن أمَمٍ تُرَقِّصُها الرزايا
على إيقاعِ شيطانِ الخرابِ!
أتدري: استذأبَ الجُرذانُ حتى
تعجّبَ منهمُ لؤمُ الذئابِ!
وصار لنافخِ الكيرِ انتفاخٌ
ومُدَّ لحاملِ المسكِ التغابي!
فجعتُكَ بالحقائقِ كابياتٍ
لأنيَ مُخْبِتُ الآمالِ كابي
وعذرًا يا صديقي، لو تمَطَّتْ
لك الأيامُ ما لُمْتَ اصطخابي
أخي نادمتُ فيك دمي ودمعي
وأهرقتُ الصُّبابةَ من صوابي
وسقتُ إليك أحزانَ الليالي
وأشجاني المعبّأةَ الخوابي
وها قد جئتُ قبرَك، لستُ أدري
أيُجدي البعدُ أم يُجدي اقترابي؟
غيابُك كان فاتحةَ انتظاري
ليومٍ ينتشي فيه غيابي