أعمدةقديمة لمساجدَ جديدة
حطبٌ جديد لنيرانٍ قديمة
بيوت تنهار لتُبنى فوقها بيوت
والبيوتُ تمتد وترتفع وتتناكب
تنفثُ أنفاسَ الثوم في أفواهِ بعضها
تستند على أكتاف بعضها
تحت قاهرة المعز
مائة مدينةٍ منذ منف
هذه مدينة عنيدةٌ صابرة
من جراح بيوتها الفاغرة
تفوح رائحةُ الخبز وتخثُّر البول
يتدلى الندم من السقوف
مثل عناقيد العنب السوداءْ
العذاب يتسلق الجدران
ينسلُّ بين الشقوق
يتحرك في الضحكاتِ الخابية
وهنهناتِ الصمت
أجسادٌ مسجاة على مائدة التخدير
حيث يعي العقلُ أنه لا يعي شيئاً
أردتُ أن أشدَّ المدينةَ حولي
أتمنطق بجراحها أتسربلُ بعذاباتِها
ألتف على صدرها مثل الغدير على الحصباء
مخترقاً قلاع الشجر
متجاوزاً الأسوارَ العشرْ
لنزقِ الحكام ونَزواتِهم
لقصورهم المطلّة على السهوب النفساءْ
الحجارةِ وألواحِ الصلب الملساءْ
والزجاجِ المصقول
فرأيتُ سكانها كناقِهين
جالسين على حافة الأسرَّة
متكومينَ في الردهات
يتأملون من بلادةِ السأم
انبهارَ النهار
البغاثُ يرفُّ على سطحِ
البركةِ الآسنةْ
يشرئبونَ في متاهات أحلامهم
لميتةٍ عنيفة
تصطكُ لها دروبُ المدينة
توقظ السماءَ من هَجْعتها
مثل كلب هرمٍ ينهض للقاء سيده
ثم يرقد هازّاً ذيله
نابحاً في استخذاء
أطبقَ سكانُ المدينة جفونَهم
على عيونهم المغتلمه
لحمٌ يَنغلُ فيه الدود
وأنا نازلُ المنحدرْ
أعالج اللفَظ الصدئ من جديد
كلُّ معالجة بدءٌ جديد
وفشلٌ جديد
غزو لعُجمة الروح بأسلحة مفلولة
خائضاً لُجاجَ المشاعرِ المتناقضة
جحافلَ العواطف التي اضطربت صفوفُها
نتنَ اللغة ولغوها
تحولتُ إلى الدروب المهجورة
الهاربةِ من تحت قدمي
أطرق أبواباً موصَدةً لم تُولجْ بعد،
متعثراً في الخرائب مثلما
تتعثرُ أقدامُ الخيل المبقورةِ بأحشائها،
أسعى لانتشال ما ضاع في العرصات
أنتشل ثم ضاع المرةَ بعد المرة
أحاول ضمَّ الأجزاء المحطمةِ لبعضها
ألمُ أطرافَ المدينة وربوعِها
أرصُّ شذراتِ الماضي إلى أكوام الحاضر
لأجدَ الماضي خِداعًا
والمستقبلَ بلا مستقبلْ
والحاضرَ صكّ المذلة
لا تأمنُ فيه القدمُ الانزلاقْ
يتردد في مفازاتِه عواء الذئابْ
وينتشرُ العوسجُ على منافذِ البيوتْ
وفي ردهات الأذهانْ
أين وجهُكَ؟
نبعُ المرحْ
لقعةُ الجلالْ
الخيلُ الصاهلة
والنافورات
الشوارعُ المرشوشةْ
عند انحدارِ الشمسْ
والرقصُ الرقص
دغدغةُ الموج وغدره
حين قالت الحَجَل
تَواروْا، تواروْا
فأغصانُ الشجر
حافلة بأطفالٍ عابثة
يغصُّون بضحكاتٍ مكتومة
تواروْا، تواروْا
فحولَ النار المزدهية
تجمعتِ الصبايا
للسمر والرقص
ودقِ الدفوف
البيوتُ جميعها جرفَها السيلُ
الراقصاتُ نزلنَ
وراء الكثبان