نسيمُ تونسَ حيّاني ويُحْييني
والطيبُ منه إذا ما تِهتُ يهديني
لا غرْوَ أن تاه قلبي في محبَّتها
فأصلُ نشأته من ذلك الطين
إذ وجَّهَتْني لأرضٍ لا تلائمني
وحبذا أمرها يزكو ويرضيني
قاسى فؤاديَ أهوالاً يذوب بها
أعوذ بالله من همْز الشياطين
بالله يا نسمةً إن جئتِ تونس قفْ
وانشرْ سلاماً لها من قلب محزون
واستمنحِ النور من طودِ المنارة إذ
يبدو لمنظرك الباجي على حين
ترى مراسيَ حلْق الوادي زيَّنها
شوامخُ السفْن كالطير الميامين
فانظر مدافعه، واعرِفْ عساكره
في البر والبحر حازوا خيرَ تمكين
ونزِّهِ العين في تلك البقاع وَطُفْ
على الحصون ومأوى عسكر الدين
واسرعْ إلى قشْلةِ القنديل إنَّ بها
سمطَ المدافعِ في زيِّ الثعابين
طوابرُ الأسْدِ في آجامها ربضوا
إن فاه آمرُهم لبَّوه في الحين
زادوا لإقدامهم ترتيبَ حربهمُ
وأتقنوا نظمها من غير تخمين
إن الحنايا كنوعٍ من وقوفهم
أو مثلِ نخلٍ بمجنيِّ العراجين
قادوا الصواعق في سهلٍ وفي جبلٍ
طاروا بأثقالها مثلَ الشواهين
واستنطقوها متى حنُّوا لنغمتها
أصواتُها عندهم رجْعُ التلاحين
وسرِّحِ الطرْفَ في قصر الإمارة من
أرجائها إذ بدا في كلِّ تلوين
مرصَّع بنظامٍ فاق نظمُهمُ
سلْكَ الجواهر في تلك الأساطين
همُ الملوك ومأوى كلِّ ذي شرفٍ
بقاعُه شرَّفتْ أهل الدواوين
ديوان كتّابِها، ديوان حُسّابها
ديوانُ قوّادها، أهل القوانين
وغيرهم من جموعٍ طاب نشْرهمُ
طيبَ الرياض بأنوار الرياحين
قاموا بخدمة مولاهم وطاعته
فلن ترى خطوةً في غير مأذون
مدارُ عصبتِهم مأمور سيّدِهم
فيما يصَرِّف من صعبٍ ومن لين
واعطِفْ إلى قشلة الفرسان تبصرها
تلفَّعت وترَّدت بالبساتين
عِقبانُهم من ظهور الخيل قد ثبتوا
مثلَ الجذور تنقَّتْ من أفانين
تطير للباسِ في الهيجا جيادُهمُ
فاعجبْ من الجُرْدِ تجري بالموازين
واستحضرِ العين بالخضرا وساكنها
واسعدْ بإتيانها من باب سعدون
أصلُ العلوم ومأوى الصالحين بها
ومركز الدين من فرضٍ ومَسنون
أُنْسُ الغريب بها ينسى مواطنه
وموضعُ اليسر من عيش المساكين