يا هبة باكرت من نحو دارين
وافت إلي على بعد تحييني
سرت على صفحات النهر ناشرة
جناحها بين خيري ونسرين
ردت إلى جسدي روح الحياة وما
خلت النسيم إذا ما مت يحييني
لولا تنسمها من نشر أرضكم
ما أصبحت من أليم الوجد تبريني
مرت على عقدات الرمل حاملة
من سركم خبرا بالوحي يشفيني
عرفت من عرفه ما لست أجهله
لما تنسم في تلك الميادين
نزوت من طرب لما هفا سحرا
وظل ينشرني طورا ويطويني
خلت الشمال شمولا إذ سكرت بها
سكرا بما لست أرجوه يمنيني
أهدت إلي أريجا من شمائلكم
فقلت: قربني من كان يقصيني
وخلت من طمع أن اللقاء على
إثر النسيم وأضحى الشوق يحدوني
فظلت ألثم من تعظيم حقكم
مجر أذيالها والوجد ويغريني
مسارح كم بها سرحت من كمد
قلبي وطرفي ولا سلوان يثنيني
بين المصلى إلى وادي العقيق وما
يزال مثل اسمه مذ بان يبكيني
إلى الرصافة فالمرج النضير فوا
دي الدير فالعطف من بطحاء عبدون
لباب عبد سقته السحب وابلها
فلم يزل بكؤوس الأنس يسقيني
لا باعد الله عيني عن منازهه
ولا يقرب لها أبواب جيرون
حاشا لها من محلات مفارقة
من شيق دونها في القرب محزون
أين المسير ورزق الله أدركه
من دون جهد وتأميل يعنيني
يا من يزين لي الترحال عن بلدي
كم ذا تحاول نسلا عند عنين
وأين يعدل عن أرجاء قرطبة
من شاء يظفر بالدنيا وبالدين
قطر فسيح ونهر ما به كدر
حفت بشطيه ألفاف البساتين
يا ليت لي عمر نوج في إقامتها
وأن مالي فيه كنز قارون
كلاهما كنت أفنيه على نشوا
ت الراح نهبا ووصل الخرد العين
وإنما أسفي أني أهيم بها
وأن حظي منها حظ مغبون
أرى بعيني ما لا تستطيل يدي
له وقد حازه من قدره دوني
وأنكد الناس عيشا من تكون له
نفس الملوك وحالات المساكين
يغض طرف التصابي حين تبهته
قضبان نعمان في كثبان يبرين
قالوا: الكفاف مقيم قلت: ذاك لمن
لا يستخف إلى بيت الزراجين
ولا يبلبله هب الصبا سحرا
ولا يلطفه عرف الرياحين
ولا يهيم بتفاح الخدود ورما
ن الصدور وترجيع التلاحين
لا تجتنى راحة إلا على تعب
ولا تنال العلا إلا على الهون
وصاحب العقل في الدنيا أخو كدر
وإنما الصفو فيها للمجانين
يا آمري أن أحث العيس عن وطني
لما رأى الرزق فيه ليس يرضيني
نصحت لكن لي قلبا ينازعني
فلو ترحلت عنه حله دوني
لألزمن وطني طورا تطاوعني
قود الأماني وطورا فيه تعصيني
مدللا بين عرفاني واضرب عن
سير لأرض بها من ليس يدريني
هذا يقول غريب ساقه طمع
وذاك حين أريه البر يجفوني
إليك عني آمالي فبعدك يه
ديني وقربك يطغيني ويغويني
يا لحظ كل غزال لست أملكه
يدنو وما لي حال منه تدنيني
ويا مدامة دير لا ألم به
لولاكما كان ما أعطيت يكفيني
لأصبرن على ما كان من كدر
لمن عطاياه بين الكاف