الموت حكمٌ ليس منهُ مهربُ
ولَدُنْ إصابتِهِ التصبُّرُ أصوَبُ
هذا كلامٌ صادقٌ في حدّه
حكمًا وأبلغ ما يقال ويُكتب
لكنّ في خطبٍ تفاقم رزؤهُ
عذرًا لمن يبكي الفقيدَ ويندب
يا من تقول الصبر أولى بالفتى
فالصبر صبرٌ صابُهُ لا يَعْذُب
كيف اصطباري بعد من لا أرتجي
في ذي الحياة لقًا به وتقرُّب
فاعذر إذا سكبَ العيون ابن العلا
ديَمًا تهل على الصدور فتلهب
إن أبكِ «أنطونَ بن طرازيٍّ» فلا
حرجٌ وفيه الشرق َيبكي المغرب
من كان غوثَ المستغيث وملجأً
لم يطو كفّاً عن فقير يطلب
أسفي على غصنٍ رطيب قد ذوى
لم تُجْده نفعًا دموعٌ تُسكَب
فرماه سَهّامٌ بسهم مَنونه
والموج أمسى فوقه يتقلّب
قد كان في برج الثريّا كوكبًا
واليوم أمسى في التراب الكوكب
أبكيه بل تبكيه والدةٌ له
وأشِقَّةٌ وابنٌ وحيدٌ ينحب
وإذا طلبت من الجماد بكاءه
جزعًا عليه فلا يَعِزُّ المطلب
كم خلتُ أن الشمس في رأد الضحى
غابت لغيبته فطال الغيهب
يا ساعة ما كان أثقل ظلّها
فوق الأضالع والترائبِ تَضرب
هي نكبةٌ جُلّى إذا نزلت على
صرف القضا لم يحتملها المنكب
يا من تفرَّدَ بالشّهامة والتُّقى
وبنجدةِ الملهوف وهو مهذّب
يا من حوى درر المكارم صدْرُهُ
فالبحر رحبٌ وهو منهُ أرحب
يا من تساوى والنسيمَ لطافةً
والندَّ عَرفًا وهو منهُ أطيب
غادرتنا فسلبت كل قلوبنا
هلاّ حياةً بعد ذلك تسلُب
فالعيش أمسى بالمصاب مرارةً
هيهات تحلو بعد ذاك وتعذُب
قد كان صحبك في حياتك باسمًا
والآن صحبك في مماتك يندب
لا غَرْوَ خطبُك ليس خطبًا واحدًا
فيه خطوبٌ لا تُعَدُّ وتُحسب
تبًا لدهر جار في أحكامه
قد جاء يفتك بالقلوب ويعطب
وسطا على خير امرءٍ فأذاقه
كاسَ الردى صرفًا فبئس المشرب
ضاق التأسي في أليم مصابه
يا رب برِّدْ نار قلبٍ تلهب
فثوى غريقًا في البحار وكلنا
غرقى الدموع لموته نتعذب
يا راحلاً مني إليك تحيةً
وعلى ضريحك دمع عيني يسكب