لا تُسكنيني لوثةَ التيّارِ
أبلتْنيَ الأزمانُ في التَّسْيارِ
عيناكِ دوَّخني شرودُ مداهُما
ونهلْتُ في غوْرَيهما أسفاري
أُفقٌ من العتمات يأسرُ ناظري
ويلفُّني لا نجمَ في الأغوار
أنهارُ أشجان وصَمْتٌ أينعَتْ
بضفافها وتفتَّحت أزهاري
قد كنت كونًا لي انهمارُ سوادِه
رأدَ الضُّحى وتنفَّس الأسحار
غورٌ من الأحزان بين أضالعي
قصفَتْ عليه عواصفُ الهدّار
إن كنتِ عَتْمًا قد غرسْتِ حدائقي
كيف الضياءُ يكون من أثماري؟
ترثينَ أحزاني وأنتِ زرعْتِها
وأقمْتِ في شفتيك صمْتَ جدار
أيكون عاري أن أُريقَ ضراعتي
أو أن تمزِّقَ صمتُها أوتاري؟
أجريتُ وجهك في جبيني خضرةً
وغسلتُ باسمكِ صُفرة الأشعار
وسكبتُ في ناي المحبّةِ أضلعي
نغمًا يلوب بعتْمّةِ الأسرار
كم تاه - جرَّحَه الطوافُ - مدجَّجًا
بنزيفِه وحنينِه الدوّار
يدعو غصونك من هجيرٍ كافرٍ
إن الحدائقَ كعبةُ الأطيار
سال الدعاءُ بمسمعي وثنيَّةً
«كاللاّت» تغفو عن دم الأبرار
لا تُدركُ الأوثانُ حزنَ ضراعةٍ
حرَّى تشبُّ مع الدم الموّار
فالحزنُ عتماتُ الحنين تفتَّحت
في الروح مثلَ تفتُّح النوّار
يهفو لفجرٍ أن يبلَّ شفاهَه
وجفونَه في ظلمةٍ مِدْرار
أرسلتُه والحب نشْرًا من دمي
كالنور فاض عن اشتعالِ النار
فحسِبتِها بذْلاً يذلُّ كسلعة
تغلو وترخصُ في يد التجار
لكنها خفقَتْ بروحٍ أرعشت
بمواسمٍ للبيدِ والسمَّار
جذلَى تفور على العطاء وتَزْدهي
فخنقْتِها بالشحِّ والإقْتار
ونحرْتِ من نُعمى المواسمِ بكْرَها
ونفيْتِ عن آفاقها أطياري
وسفكتِ رفّاتِ الضياء بخاطري
وثَوَتْ بظلمة موتِها أقماري
ما كنتُ أولَ موسمٍ روَّعْتِه
روَّتْ دهاءَكِ ظلمةُ الأوزار
كنتُ اعتنقْتُكِ كي أنيخَ بك الذُّرا
فغَرزْتِني في الطين والأحجار
وهمًا ببال الكأس كنتِ على الصدى
مَمْذوقةً أُكذوبةَ الخمّار
لهفي عيونُكِ صَعْقتي وجهنَّمي
فيها عرَفتُ ضراوةَ الأقدار
وعلوْتُ صهواتِ الجراح مجنَّحًا
ورقصْتُ مجنونًا بجمر النار
عانقتُ روحكِ واعتصرتُ عروقَها
ونفِذْتُ حتى غامضِ الأغوار
وانثالَ حزني ما لمسْتُ بكارةً
مزعومةً في ثغرِكِ الثرثار
بل جئتُ وعدًا بعد فَوْتِ زمانه
وعبرْتِ أنت محبَّة الأبكار
هيهاتَ تُزهرُ عُذرةٌ في ثيِّبٍ
أو أن تُبرعمَ أغصنُ الأحجار