وكان شفيقُ صديقي الأثير
وضيّعتهُ في دروب الحياهْ
ثلاثون عاماً مضت أو يزيدُ
انقضت حلماً راعفاً مقلتاه
صبيين كنا غداة افترقنا
وأسرج كلٌ مطايا مناه
يسابقُ خيلاً كَبَتْ في الطريق
وأخرى تسير إلى منتهاه
مضى صاحبي غاب في زحمة
الدرب ناديت: يامن لعيني رآه
وأرهفت سمعيَ دهراً لعلي
على الدرب أسمعُ وقعَ خُطاه
لقد بُح صوتي، تثاقل سمعي
وما رجَّعَ الصوت إلا صداه
وشيخين ذات مساء التقينا
بلا موعدٍ، صحتُ: يا ويلتاه
أأنت صديقي الذي ضاع مني
وأوغل في التيهِ، وا حسرتاه
على عُمُرٍ ضاع منا ربيعاً
وصيفاً وها قد بلغنا شتاه
وأقسم لي: ما عرفتك قَطُّ
هو الصوت ما غاب عني شجاه
ذكرتك صوتاً شجياً أجشُ
وشعرك يقطر شوقاً وآه
وإذ نحن في فصلنا المدرسي
نداعب يوماً جميلاً رُؤاه
زمان الصبا يا ربيع القلوب
ألا كل حيٍّ يغني صباه
سلام على الصحب في درسهم
على الأبِ لا يفضض الله فاه
معلمنا العبقري الأبي
رعته وصانته عين الإله
وطلاب عزم وحزم مضينا
وما لان يوماً لدينا قناه
وكم قد هتفنا، وكم قد صرخنا
بملء الحناجر، ملء الشفاه
جموعٌ تثور، وموجٌ يَمورُ
هو الدم جابه سيف الطغاة
ذكرنا الرفاق وأيامهم
ومن صار صاحب عزٍ وجاه
ومن كان في فقره مُدقعاً
وقارون أورثه من غناه
ومنا الصعاليك في أمسهمْ
وصارو سلاطين حكم عُتاه
وكم كان في صفنا من بليد
ويحمل في يومنا دكتوراه
ومنا الشهيد، ومنا الشريد
مضوا ما حنوا هامهم والجباه
فكانوا الجسور لدرب الحياة
لتمضي عليها جموع المشاة
ومنا الذي مرّغتهُ الحياة
تجرَّع من مُّرها ما كفاه
وكان الفتى الماجد المُستهمَّ
إلى كل خير يلبي نداه
زمان عجيبٌ يحطُ الرفيعَ
وكم من وضيعٍ علا مستواه
هو البحرُ، في القاع دُرٌ ثمينٌ
وتعلو الطحالبُ وجه المياه