تخطَّ إلى المحتوى

لحرقة عينيك ناح المدى

غير معروف

١٠١ بيت

الرثاء

لِحُرْقَةِ عَيْنَيْكَ نَاحَ المَدَى

وَنَكَّسَ تَارِيخَهُ الأَرْمَدَا

وَحَاوَلَ يَرْسُمُكَ اللَّازَوَرْدُ

فَخَطَّطَ فِيكَ أَسىً أَصْيَدَا

تَكَاثَرْتَ سِدْراً بِقَاعِ الجَحِيمِ

وَعُذِّبَ فِيكَ النِّدَا بِالنَّدَى

فَلَسْتَ بِمُتَّهَمٍ فِي ضِفَافٍ

رَأَتْ مَاءَكَ الأَلِفَ السَّيِّدَا

وَلَسْتَ عَلَى المُرْتَقَى بِضَنِينٍ

وَإِنْ فِي البِلَادِ شَرِبْتَ الرَّدَى

بِلَادٌ بِمُنْحَدَرَاتِ السَّرَابِ

تُشَوَّهُ وَجْهاً، وَتُنْفَى يَدَا

بِلَادٌ بِلَا بَهْجَةٍ؛ ذَبُلَتْ

سَناً، فِكْرَةً، شَجَراً، جَسَدَا

بِلَادٌ _ وَدَمْعِ النَّبِيِّ _ تَيَتَّمَ

فِيهَا الضُّحَى، وَامَّحَى بَدَدَا

بِلَادٌ عَلَيْهَا التَّجَلِّي، وَيَأْبَى

طَوَاغِيتُهَا الجُوفُ أَنْ يُشْهَدَا

بِلَادٌ بِهَا احْتَرَقَ العَاشِقُونَ

بِصَمْتٍ؛ وَلَمْ يُقْلِقُوا أَحَدَا

وَأَغْرَيْتَنِي سَيِّدِي بِالشَّذَى

كَأَنَّكَ قِنْدِيلُ وَحْيٍ يَرِفُّ

كَأَنَّكَ تَحْفِرُ ذَاتَ التَّجَلِّي

لِيَثْمَلَ رَقْصٌ، وَيَسْكَرَ دُفُّ

كَأَنَّكَ صَوْتُ نَبِيذٍ نَقِيٍّ

بِهِ .. فَاحَ لِلنَّارِ وَالنُّورِ عَرْفُ

بِهِ .. يَتَسَخَّى أَرِيجُ الحَيَاةِ

فَيُورِقُ أَمْنٌ، وَيَذْبُلُ خَوْفُ

بِهِ .. يَتَفَتَّحُ مَاءُ العَقِيقِ

بِهِ .. فِي الضَّمَائِرِ يَهْلِكُ زَيْفُ

وَيَغْرُبُ عَنْ رُوحِنَا لُؤَمَاءٌ

خِسَاسٌ عَلَيْهَا سَطَوْا؛ لَمْ يَعِفُّوا

ثَقِيلٌ عَبِيرُكَ جِدًّا عَلَيْهِمِ

ثَقِيلٌ عَلَى جَبَلِ المَوْتِ حَرْفُ

وَرُبَّ بِلَادٍ تَجِفُّ وَتَجْفُو

وَرُبَّ سَمَاءٍ تَضِلُّ وَتَغْفُو

وَنَارَئِذٍ؛ أَنْتَ يُوسُفُهَا

وَأَنْتَ لِدَمْعِ النُّبُوَّةِ كَهْفُ

وَتَسْرِي رَفِيقاً بِنَسْغِ الحُرُوفِ

وَنُورُكَ صَافٍ؛ يَشِفُّ يَشِفُّ

فَيَا أَنْتَ؛ وَاللُّغَةُ انْكَدَرَتْ

وَجُوزِيَ بِالخَسْفِ عِرْفَانُهَا

أَلَسْتَ _ عَلَى الحَقِّ _ رُبَّانَهَا؟

فَكَيْفَ يَرَى الآنَ رُبَّانُهَا؟!

أَصَاعِدَةٌ نَحْوَ مَاءِ البَهَاءِ؟!

أَمِ الرُّوحُ تَشْحَبُ أَلْوَانُهَا؟!

حَزَانَى ضُلُوعُ القَصِيدَةِ؛ شَكَّ

بِهَا، بِالجَلَالَةِ .. إِيمَانُهَا

تَمَزَّقَتِ الكِبْرِيَاءُ ضَنىً

وَسُعِّرَتِ الآنَ أَفْرَانُهَا

فَمَنْ لِلْمَتَاهَةِ غَيْرُ نَبِيٍّ

عَلَيْهِ لَهَا ارْتَجَّ قُرْآنُهَا؟!

يُسَافِرُ فِي أُبَّهَاتِ البِحَارِ

وَتَقْطِفُ عَيْنَيْهِ أَغْصَانُهَا

يُوَرِّثُ خُطْوَتَهُ لِلنَّخِيلِ

لِتُورِقَ فِي الأُفْقِ نِيرَانُهَا

شَكَوْتُكَ للهِ يَا شِعْرُ؛ عَيْناً

يَفُضُّ الغَيَاهِبَ إِنْسَانُهَا

أَكَانَ عَلَيْنَا لِتَرْضَى الجِبَاهُ

تَذُوقُ العَمَى النَّذْلَ أَحْزَانُهَا؟!

وَقَالَ الدَّمُ العَرَبِيُّ كَلَاماً

قَدِيماً، وَكُنْتَ لَهُ التَّرْجَمَةْ

وَفِيهَا التَزَمْتَ الأَمَانَةَ جَهْراً

وَمَا خُنْتَ إِذْ خَانَ عِرْقٌ دَمَهْ

رَأَيْتَ بَعِيداً بَعِيداً، وَنُحْتَ

عَلَى الرُّؤْيَةِ المُرَّةِ المُؤْلِمَةْ

لِمَاذَا يَمُوتُ الحِصَانُ هَزِيلاً؟!

بِأَيَّامِنَا السُّودِ مَنْ سَمَّمَهْ؟!

وَمَنْ قَتَلَ الرُّوحَ فِي خِدْرِهَا

وَقَبَّلَ سِكِّينَهُ المُجْرِمَةْ؟!

وَطَرَّزَ فِيهَا سَمَاءَ التَّبَاهِي

وَحَرَّزَهَا طَعْنَةً مُلْهَمَةْ

لِمَاذَا هُنَا يَسْتَبِدُّ الغَبَاءُ؟!

بِشَرْقِ الحَضَارَةِ مَنْ حَتَّمَهْ؟!

لِمَاذَا هُنَا يَسْتَقِيلُ النَّهَارُ

وَتُهْدَمُ كَعْبَتُهُ المُحْرِمَةْ؟!

لِمَاذَا تُكَسَّرُ أَجْنِحَتِي

أَنَا الوَرْدُ، وَالوَجْدُ، وَالمَرْحَمَةْ؟!

صَحَارَى جَحِيمٍ؛ وَمَا مِنْ نَدَى

كَأَنْ حَلَّتِ اللَّعْنَةُ المُبْهَمَةْ؟!

لِصَوْتِكَ بُحَّةُ جَمْرِ الهَوَى

وَمَلْمَسُ ضَوْءٍ أَنِيقٍ أَنِيقِ

كَأَنْ أَهْرَقَ اللهُ فِيهِ جِبَالَ

التَّجَلِّي؛ فَيَا لَلْجَلَالِ العَمِيقِ

كَأَنَّ المَآذِنَ ذَائِبَةٌ

بِهِ، بِحَدَائِقِهِ، بِالرَّحِيقِ

كَأَنَّ النَّوَارِسَ مَائِسَةٌ

بِبَرْزَخِهِ الوَبَرِيِّ العَبِيقِ

وَسَكْرَى بِهِ وَلْوَلَاتُ الخَيَالِ

إِذَا اغْتَمَضَتْ مِنْهُ حُبْلَى البُرُوقِ

لِتَسْرَحَ فِي جَلْجَلَاتٍ أَيَامَى

يَفُرْنَ جِنَازَاتِ حُلْمٍ غَرِيقِ

يَنُحْنَ عَلَيْهِ بِشَقِّ المُرُوجِ

وَلَطْمِ البَهَاءِ، وَنَهْشِ العَقِيقِ

لِصَوْتِكَ أَنْ تَتَفَتَّقَ عَنْهُ

الكِنَايَاتُ مَمْسُوسَةً بِالمُرُوقِ

سَئِمْنَا اجْتِرَارَ المَرَايَا، نُرِيدُ..

سَئِمْنَا إِرَادَاتِ وَحْلٍ عَرِيقِ

وَمَا بِيَ شَكٌّ بِأَنَّكَ آتٍ

لِتَطْهِيرِنَا مِنْ رُغَاءٍ وَثِيقِ

وَجِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا شُعَاعُ

تُفَجِّرُ فِي الرُّوحِ أَحْوَالَهَا

تُمَسِّدُهَا بِهُبُوبِ الغَمَامِ

وَتَنْسِفُ فِي قُوَّةٍ آلَهَا

وَتَخْلُقُ صِدْقاً جِدَارَ ضُحَاهَا

وَتَمْحَقُ تَمْحَقُ أَوْحَالَهَا

كَأَنَّكَ غُرَّةُ رَعْدٍ كَرِيمٍ

بِنَارِ القَدَاسَةِ أَوْحَى لَهَا

وَأَشْهَدُ نَصَّبَكَ الحَسَنُوتُ

شِرَاعاً يُدَمِّرُ أَغْلَالَهَا

فَيَا وَطَناً مِنْ تَجَلٍّ رَحِيمٍ

يُجَذِّرُ فِي العَيْنِ زِلْزَالَهَا

(أَتَتْكَ القَصِيدَةُ مُنْقَادَةً

إِلَيْكَ تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا)

كَحَبَّةِ عَيْنِ الحَيَاةِ أَتَتْكَ

لِكَيْمَا تُدَلِّكَ أَوْصَالَهَا

وَتَغْسِلَهَا مِنْ غُبَارِ الحُرُوبِ

وَتَصْبُغَ بِالوَرْدِ سِرْبَالَهَا

فَمُدَّ مِدَادَكَ بَدْرَ دُجىً

وَطَيِّبْ بِزَنْبَقِهِ بَالَهَا

عَلَيْكَ سَلَامُ الضِّفَافِ تَحِنُّ

إِلَى العِشْقِ وَاللَّوْعَةِ الطَّارِحَةْ

إِلَى قَابِ قَوْسِ الهَوَى؛ ذَائِبَاتٍ

بِهِ وَشْوَشَاتُ الرِّضَا الفَائِحَةْ

وَطَائِفَةٍ بِمَرَاكِبِهِ

غَمَامَاتُ إِينَاسِهِ السَّابِحَةْ

إِلَى امْرَأَةٍ تُشْبِهُ المَلَكُوتَ

تُرَتِّلُ فِتْنَتَهَا الجَارِحَةْ

تَقُولُ لِعَاشِقِهَا: ارْتَجَّ بِي

أَنَا لُغَةُ اللُّؤْلُؤِ الجَامِحَةْ

فَتَرْتَجُّ أَشْرِعَةُ المُسْتَطَارِ

وَتُجْهِشُ بِالطَّعْنَةِ المَانِحَةْ

إِلَى نُقْطَةِ البَاءِ رَائِقَةً

بِصَهْلَتِهَا الشَّهْقَةُ الرَّابِحَةْ

فَلَا هُوَ بَعْدَ الهَوَى هُوَ، لَا ..

وَلَا هِيَ فِي اللَّحْظَةِ النَّائِحَةْ

عَلَيْكَ سَلَامُ الحُرُوفِ؛ شَكَتْ

إِلَيْكَ اغْتِرَابَاتِهَا الفَادِحَةْ

عَلَيْكَ سَلَامُ الدُّمُوعِ بِخَدِّ

الحَنِينِ إِلَى سُورَةِ الفَاتِحَةْ

أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ: حُبَّ القَوَافِي

وَحُبًّا لِأَنَّكَ حُبٌّ يَفِيضُ

فَهَلْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ لَا تَكُونَ

كُرُومَ البَهَاءِ؟! مُحَالٌ عَرِيضُ

لِأَنَّكَ وَفَّيْتَ نَذْرًا قَدِيماً

بِهِ تَمْتَمَتْ فِي الغُيُوبِ الفُرُوضُ

ظِلَالَ سَمَاءٍ مُطَيَّبَةٍ

تَجَسَّدْتَ، سُدْتَ، اجْتَبَاكَ القَرِيضُ

غُبَارَ فُتُوحٍ مُقَدَّسَةٍ

تَدَلَّيْتَ، لَيْتَ تَمَلَّى الحَضِيضُ

رُؤىً حُرَّةَ الجَلْجَلَاتِ خِمَاصاً

بِطَاناً بِهَا المُنْتَهَى وَالوَمِيضُ

فَيَا لَازَوَرْدَ نَسِيمِ الشَّذَا

حُقُولُ العَوَافِي جَنَاحٌ مَهِيضُ

وَيَا عُنْفُوَانَ هَدِيرِ التَّحَدِّي

تُرَابُ السَّنَا كَهْرَمَانٌ مَرِيضُ

وَقَدْ خُضْتُ فِيكَ بِحَاراً صِغَاراً

فَذَرْنِيَ فِي الكُبْرَيَاتِ أَخُوضُ

وَيَنْبِضُ فِي رُكْبَتَيْكَ النَّهَارُ

وَيَشْهَقُ فِي مُقْلَتَيْكَ الغُمُوضُ

فَلَا تُوقِظِ الآنَ لُورْكَا الجَمِيلَ

وَدَعْهُ بِشُرْفَتِهِ يَتَهَيَّا

لِأَسْئِلَةِ البُرْتُقَالِ، وَدَعْهُ

لِعَيْنَيْهِ؛ يُغْرِي الوَدَاعَ مَلِيَّا

فَلُورْكَا حِصَانٌ بِغَرْنَاطَةٍ

يَمُرُّ عَلَى الرُّوحِ مَراًّ شَهِيَّا

وَلُورْكَا غِنَاؤُكَ لِلْعَاشِقِينَ

وَلُورْكَا أَنِينُكَ أَنْدَلُسِيَّا

فَإِنْ بَكَتِ الرُّوحُ مِنْكَ؛ بَكَى

وَإِنْ بُحْتَ؛ بَاحَ الهَوَى غَجَرِيَّا

دَوَائِرُكَ المُحْكَمَاتُ عَلَيْهِ

دَوَائِرُهُ المُحْكَمَاتُ عَلَيَّا

ثَلَاثَتُنَا وَاحِدٌ أَحَدٌ

أَنَا، وَالمُغَنِّي، وَأَنْتَ شَجِيَّا

فَلَا تُتْعِبِ الآنَ قَلْبِي؛ لِأَنَّكَ

إِمَّا سَكَتَّ أَضِلُّ غَوِيَّا

وَيَحْدُثُ أَنْ يَستَبِدَّ السَّرابُ

وَيُشْعِلَ بَرْزَخَهُ الوَثَنِيَّا

فَخُذْ بِالقَصِيدَةِ نَحْوَ التَّجَلِّي

وَلُذْ بِكَ فِي الزَّلْزَلَاتِ نَبِيَّا

ثَمَانُونَ وَصْلاً لِمُنْقَطِعٍ

مِنَ الزَّمَنِ العَرَبِيِّ الأَشَمّْ

ثَمَانُونَ تَحْرُثُهَا الذِّكْرَيَاتُ

وَتُنْبِتُ قِنْدِيلَهَا المُصْطَلَمْ

ثَمَانُونَ؛ تَجْرِي البُرُوقُ رُخَاءً

بِأَضْلَاعِهَا الخُضْرِ إِذْ تُلْتَهَمْ

ثَمَانُونَ تَحْمِلُكَ الكِبْرِيَاءُ

عَلَى زَوْرَقٍ مِنْ أَسىً وَنَغَمْ

ثَمَانُونَ فَاكِهَةً مِنْ حَنِينٍ

تَحُطُّ بِهَا فِي دِمَانَا الدِّيَمْ

ثَمَانُونَ مُكْتَحَلاً لِلنُّجُومِ

وَمُغْتَسَلاً لِبِحَارِ الأَلَمْ

ثَمَانُونَ فَاتِحَةً لِلْخُلُودِ

وَلَيْسَ لِإِشْعَاعِهَا مُخْتَتَمْ

ثَمَانُونَ؛ مَا أَسْرَعَ العُمْرَ يَمْضِي

تُرِيدُ قَصِيدَتُهُ أَنْ تَتِمّْ

ثَمَانُونَ تَرْتَجِلُ المُسْتَحِيلَ

وَتَبْرِي الحَيَاةَ بِسِنِّ القَلَمْ

ثَمَانُونَ؛ فَاحْكِ لِعُشَّاقِهَا

عَنِ الحُزْنِ؛ مَا طَعْمُهُ فِي القِمَمْ؟!

(في محبَّة فاروق

شوشة ... رحمه الله.)