خطرتْ مهفهفةً بغير قناعِ
فَسَبتْ فؤاد المدنف الملْتاعِ
هيفاءُ أسكرها الدلال بخمرةٍ
فتمايلتْ كِبْرًا على الأشياع
تهفو كما يهفو النسيم على الربا
وتميس من خالٍ ولثم قناع
يثب الفؤاد إذا رمتْه بلحظها
ويذوب بين جوانب الأضلاع
أواهُ من سقم الجفون فإنها
مَرمى سهامٍ للغرام دواعي
اللهُ أكبر كم أماتت عاشقًا
تركته محنيّاً كنِضْو شِراع
وتملَّكَتْ قلبًا إذا لجَّ الهوى
تركَتْه بين تجالدٍ وقِراع
فالسحرُ يجري من مآقيها كما
تجري المنايا في القنا المنصاع
لو كنت أعلم ما يجيء به الهوى
ما رحت أقفو إثر هذا الداعي
زُمَرُ الشَّباب اليومَ في شَرَك الهوى
والكلُّ بين تهالكٍ وصراع
ونسوا بلادهمُ وأمسَوْا بعدها
أصحابَ دمعٍ في الهوى ودِماع
إن كان غُرْمًا أن أكون بمعزلٍ
عنهم فحبي مصرَ خير متاع
هي مصرُ أعشقها وأرعى حقها
إن الجهاد لمصرَ غير مُضاع
مرّت عليها أعصرٌ ذهبيّةٌ
ملكت قياد ممالكٍ وبقاع
وزهت بها دولٌ تأثّلَ مجدها
كانت ممنَّعةً بخير قلاع
كانت لتاج الشرق خيرَ يتيمةٍ
ولجسمه القلبَ الخفوقَ الواعي
أبَنِي أبي ما الشَّرقُ إلا نزهةٌ
للغرب غير مشاغبٍ منّاع
أخذوا عن الشرقيِّ كلَّ ذخيرةٍ
ورمَوه بعدُ بباخلٍ وعواع
والغربُ قد كان الظلام مخيِّمًا
في كل مربأةٍ وكل يَفاع
والغربُ مطموس المعالم والصُّوى
متماوج الأخلاط والأوزاع
فسما لهم من أرض أندلسٍ سنًا
قبسوا به نورًا وفضلَ شعاع
هذا هو الشَّرق المؤثّل مجدُه
هلا أقمتم مجده المتداعي
هل شاهدوا الحمراء كيف قصورها
كانت مثار الشعر والأسجاع
فهناك كان الشعر خيرَ معبِّرٍ
لم يخلُ من نغمٍ ومن إمتاع
شعراؤه في القول إثْرَ شواعرٍ
والكلُّ بين تنافسٍ ونزاع
هزَّت أميرَ الشعر لما زاره
وبكى عليه بعبرةِ الملْتاع
كالبحتريّ سما له إيوان كس
رى في المهابة مُؤذنًا بوداع
دالتْ ممالكهم ودامت بعدهم
كالشمس لا تخفى بكل يفاع
تركوا الخزائن والمكاتب والقُرى
وأتى على الدولاتِ صوتُ النّاعي
من كل نقشٍ في الزَّمان مخلَّدٍ
يُزهى بنابغة وكفِّ صناع
كانوا حِفَاظًا للعلوم من البِلى
فنجت وكانت ملعبَ الأطماع
هذي الحياة روايةٌ لمحدِّثٍ
أخذت مكانتها لدى الأسماع