سَمَتْ بكَ البيدُ لمّا سِرتَ في الظُّلَمِ
واهتزّ مِن سَطْوَةِ الألفاظِ كلُّ فمِ
وسابحُ اللَّيلِ قد صلّى على قَدَمٍ
في سِرْبِ نُورٍ علا مِن سِرِّه العَلَمِ
يا واهبَ الرّوحِ للأكوانِ في أزلٍ
أنتَ المُنادى إذا ما اشتدّ محتدمِ
خُلقْتَ نورًا، ولم تُخلَقْ كمَنْ وُجِدُوا
ومَسْرِبُ الخَلقِ لا يُدْرِي من القِدَمِ
مُذ كنتَ كنتَ، وكانَ الكونُ مُرتَهَنًا
حتّى أتى فجرُك المرجوُّ مِن حِمَمِ
فأُطفِئتْ نارُ كِسرى حينَ ألَّفَها
جَهلٌ، وأُخمدَ منها الجورُ والظُّلَمِ
وهزَّ عرشَ الطُّغاةِ الصوتُ إذ وُلِدتْ
في الأرضِ أنوارُ توحيدٍ بلا صنمِ
وسالَ من حُسنِك الفتّانِ ما خَرَسَتْ
به البلاغاتُ وانشقّتْ من الكَلِمِ
وقِفتُ في حَضرةٍ لو فاضَ نورُ دُناها
لذابَ قلبُ الفتى في وهجها العَظِمِ
صلى عليكَ الذي سَوّى العُلى وسمَا
ما لاحَ نجمٌ وسالَ الغيثُ من دِيَمِ
يا من إذا ذكَرَتْهُ النفسُ قد طَهُرَتْ
وصافَحتْ وجهَها الأرواحُ في حُلُمِ
يا عِطرَ طيبةَ والأزمانُ عاطِرَةٌ
مِن ذِكرِ طهٍ ومِن أسرارِك القُدُمِ
بكَ استنارتْ قلوبُ الأرضِ وانتشرتْ
دعوى الهدى في ربوعِ الشرقِ والعَجَمِ
ما جئتَ بالسّيفِ إلّا حينما عجزتْ
عن ردّ باطلِهمُ الألواحُ والقَلَمِ
إنْ قيلَ سيفٌ، فذو سيفينِ: معجزةٌ
وموعِظاتٌ تميدُ الأرضُ بالكرمِ
صَفحتَ عنهم، وكانوا فيك في عَطَشٍ
للغَدرِ، فانفجرتْ أخلاقُكَ العَظُمِ
ووقفةٌ لكَ في الطائفْ مُمَزَّقَةٌ
قد أدمتِ القلبَ لكن زدتَ في الشِّيَمِ
وما شَكَوتَ، ولكنّ الدّمعَ مُنحدرٌ
مِن وجْدِك المُستفيضِ الهادِرِ الحَسِمِ
صبرتَ صبرَ الجبالِ الرّاسياتِ على
ما لو أصابَ الورى أفناهمُ النَّدَمِ
يا حِلمَ مَن لا حِمى إلّاكَ يَعتَصِمُ
يا نبعَ من حنَّ في لَيلِ الأسى ويَمِ
حتى اشتكى الجِذعُ من شوقٍ لراحتِكَ ال
مبروكةِ، وبَكَى من فقدكَ الشّجَمِ
يا سيّدَ الخَلقِ، يا ميزانَ كلِّ هُدىً
يا غارسَ المجدِ في أعماقِنا الحُكُمِ
أخلاقُكَ الوَردُ، والإحسانُ مُعجزةٌ
لم يَعرفِ الناسُ فيها وجهَ مُلتَحِمِ
لو أنّ كلَّ الورى في حُسنِك اجتمعوا
لذابَ من نورِكَ الوضّاءِ كلُّ ظَلمِ
والناسُ إنْ سافروا في سِيرَةٍ لكُمُ
تاهوا، ولم يهتدوا إلّا على نُجُمِ