يَبُوحُ العَارِفُونَ، وأَنْتَ سِرٌّ
وأَصْلُكَ قَبلَ هَذَا الطِّينِ حِبْرُ
وَمِن عَدَمٍ إِلَى عَدَمٍ تَهَادَى
وخَلْفَكَ أَلْفُ عينٍ لا تَقِرُّ
لَكَ الرَّايَاتُ تُرفَعُ كُلَّ حِينٍ
عَلى مَضَضٍ، وتُنْكَسُ وَهْيَ خُمْرُ
إِذَا غَدّ الكِرَامُ، فَأنتَ مِنهُم
فَلا يَوماً بَخلتَ، وَذاكَ غَمْرُ
وليسَ يراكَ إلا ذو فُؤادٍ
بَرَتهُ النَّازِلاتُ، وأنتَ جَهْرُ
تَزورُ، ولا تُزارُ بِغَيرِ إِذنٍ
كأنَّكَ من ظلامِ الليلِ سِتْرُ
ذكرتُكَ سَاعَةً، فنسيتُ أَنِّي
إليكَ أسيرُ، ها إنِّي أُقِرُّ
يدايَ تُحاورانِ الريحَ؛ هُبِّي
على دارِ الإقامةِ وهيَ قَفْرُ
وساقِي كلَّما التفَّتْ بساقِي
دنوتُ إليكَ، والمَمشى يَفِرُّ
وقلبي يستدلُّ بما تبقَّى
من الخطواتِ، إنَّ خطايَ عُمْرُ
ألا يا صبرُ صبراً، ثُمَّ صبراً
لعلِّي أستجيرُ بِما تُسِرُّ
أنامُ، ولا يقينَ أنَّ شمساً
ستُشرقُ، كلُّ هذي الأرضِ قَبْرُ
وإنْ أصحو فلا أدري أأَمسي
وإنْ أمسيتُ، هل سيجيءُ فَجْرُ؟
على قلقٍ كأنِّي غصنُ بانٍ
وحولي النارُ، حولَ النارِ نَهْرُ
فأنَّى قد تهبُّ الريحُ، روحي
معلّقةٌ، أبعدَ الماءِ جَمْرُ؟
يبوحُ العارفونَ إذا أداروا
كؤوسَ الموتِ، بعد اليسرِ عُسْرُ