هيهاتَ ما في الشعرِ من إرغامِ
حِفظُ الوفاء سجيَّةُ الضرغامِ
هي بسمة الروض النضير تنمَّقتْ
فأجدتُها من عَبرتي وغرامي
أأظلُّ أُنشد في هوايَ قصائدًا
فاضت بها نفسي من الإلهام؟
أم أرتجي الرحمنَ جلَّ جلاله
صبرًا وأُغمد من يديَّ حسامي؟
فالقومُ ضنُّوا عن سماع نصائحي
هيهات ليس العُرب كالأعجام
عشْقُ المعالي لست عنها أرعوي
هي شغلتي حتى يحمَّ حِمامي
ربَّ الورى تبنا إليك فخُذْ بنا
من هذه العثرات والآلام
العِيسُ ناختْ بعد رحلٍ مُجْهدٍ
ونهايةُ الترحال للأيام
أَزِف الرحيل إلى ديار بني أبي
هذا الرشيد، وذا أبو تمام
لولاك يا مهدَ الغرام لما سمت
هذي الشرارة لا تبلُّ أوامي
لولاك يا مهدَ الغرام لما شدَتْ
أيكيَّةٌ تبكي الفؤاد الدامي
اللهَ في نزعاتها ورنينِها
تُنسي رواةَ «كثيِّرٍ» «وحَذام»
فإذا خلا بك عاذلٌ لا ترعوي
هذا الجوى يُلهيك بالإضرام
أنا ما أسفتُ على بريقٍ قد مضى
ما دمتُ حيَّ النفس في إعظام
كم ضَنَّتِ النفسُ الرؤومُ بفضلِها
من أن تُدنَّس فهْي في الإسلام
إن النفوس إذا نزعنَ إلى الهوى
نالت مذمَّتَها من اللُّوّام
واللهُ ربُّ العرش يُولينا الندى
ويحوطُنا برعايةٍ وسلام
خمسٌ من الأعوام قد قضَّيْتها
ونأيتُ فيها عن ذوي أرحامي
مرَّتْ كبعض اليوم من صبْري لها
راعيتُ فيها راعيَ الأغنام
طورًا أعلِّم فتيةً ولعوا بنا
ما كان بالقانونِ والأحكام
وأسيرُ فيهم باليقين وطالما
كان الكذوبُ يحطُّ بالنمّام
وأمازجُ الآدابَ في جَنَباتِهم
وأريهمُ غُررًا علت «بعِصام»
شتان بين اثنين ذا يدعو النُّهى
طوعًا وذا يدعو إلى الإجرام
النفسُ إن سئمتْ تطيش سهامها
ولَمِصْرُ أحوجُ دولةٍ لِسهام
في حبِّ «مصرَ» تجمَّعت عَزَماتنا
والفضلُ فضلُ المالكِ العلام
قومي أحبّهمُ وأوثر وُدَّهم
إلا إذا أمرٌ بهم بغمام
لا تحسبنَّ المال ينفع ربه
ما لم يُعنْ في البؤس والإعدام
أَوَ ما قرأتَ «زهيرَ» ينشد مدحةً
«لِسنانَ» من كرمٍ ومن إعظام؟
أو ما سمعت قصيدةً «طائيَّةً»
نفحتْ إلى «موسى بنِ إبراهام»؟
ليس الفتى بالمال يحمي نفسَه
يدعُ العروض إلى سهامِ الرامي
وتراه يسعى للدناءةِ جاهدًا
في جمعِ دينارٍ وضمِّ حُطام
إن الفتى نفسٌ يحرِّك أمةً
يخطو إلى الأزمات في إقدام
لا يتَّقي قبرًا إذا هو خالها
في القوم لا تحيا حياةَ كرام
ولربما بعثتْ به هِمّاته
ما يُعجزُ الأقوامَ في أعوام
دنيا الزخارف لا تَغرّي صحوتي
فالفضل ُيلمسُه ذوو الأفهام
كم من أديبٍ ظل يرمق مِقولي
يصبو إلى قلمي من الأقلام
فيغوصُ في بحر القريض مجاهدًا
لكنَّه بحرٌ من الأوهام
هبْ أنني صغتُ القوافي كلها
وملأتُ هذا الكون بالأنغام
هب أنني «كالبحتريِّ» بسحره
أو «كابن هانئ» أو «أبي تمام»
ولكمْ هتفتُ بأمتي لا أبتغي
إلا النهوضَ بعزة الإسلام
أنشدت هذا الشعر أُصلح حالهم
لكنهم صرعى على الأحلام
أودى الزمان بما تراه مسطِّرًا
أكرومةَ الشعراء فوق الهام
كم ذا لمستُ بجيش مصرٍ صولةً
تُومي إلى عزمٍ وخَفْرِ ذِمام