تمهَّلي والتفتي لَفْتةً
لا تَذْهلي عن دهرك الراحلِ
لا تَعْبسي ما إنْ تُرَى لذةٌ
أشهَى من الآمال للآمل
عند الثلاثين قِفي ساعةً
وجاوزي الْيَمَّ إلى السّاحل
هذا هو الماضي فماذا تَرَى
عينايَ من طيفٍ له ماثل؟
مَطارحُ الأيام مبسوطةٌ
كم بينها من أثرٍ حافل!
كم أجتلي يا نفسُ من صورةٍ
عرفتُها في عيشِيَ الزائل
كم تُهْمةٍ قد بتُّ يا وَيْلتا
في شُغُلٍ عن ذكرها شاغل!
هذي هي السَّرْحةُ في ظلِّها
اِبنُ ثمانٍ في الضّحَى يلعبُ
في ثغره من بَسَمات الرِّضَا
مثلُ ابتسام الزهر أو أعْذَب
وعينُه من لَمَحَات المُنَى
كما انْجلَى في أفْقه الكوكب
مثلُ فَراش الرّوض في لَهْوه
ودأْبِه لكنَّه أَوْثَب!
دنياه هذي النخلُ، في جانبٍ
منها يُرَى للأعْين المكتب
كم رتَّلَ الآياتِ في مَقعدٍ
فيه وكم باهَى بما يَكْتب!
أجْرَتْ له الفصحَى به كوثرًا
مَعينُه في القلب لا يَنْضب
يا ناشئًا أوحت له سِحْرَه
شمسٌ من الفرقان لا تَغْرب
يَهْدفُ للعشرين في نفسِهِ
وحْيُ الذي يخفق في جَنْبِهِ
مُحبَّبُ العشرة في وجهه
بَشاشةُ الوَرْدِ إلى صَحْبه
وفي حنايا صدره رُقْيَةٌ
عن الْخَنَا والهجرِ مالت به
يا نَفْحةَ الخلْد لأنتِ التي
أيقظتِ هذا الطهرَ في قلبه
يا ومضةَ الرّوح جلبتِ الهُدَى
وطُفْت بالنّور على هُدْبه
يا نسمةَ الحبّ بهذا الشذَا
الرَّوْحُ والرَّيْحان من ربّه
في كل حُسْنٍ حَوْلَه لمحةٌ
تُلْقي عليه السّحرَ من حبّه
والكون، ما دارت به عينه
مُلْقٍ معاني الحب في لُبِّه
كم عاد للقريةِ في لَهْفَةٍ
للعيش في أكنافها الواسعَهْ
والصيفُ في أنحائها رائعٌ
باتت به أمساؤها رائعَه
هناك لا يلبثُ حتى يَرَى
فتاتَهُ بعد النَّوَى راجعه
هناك كم سارا على موعدِ
والليل يغشَى القريةَ الهاجعه
فالْتَقَيا لا عينَ ترعاهما
إلا عُيونَ الأنجمِ اللامعه
يا قدْسَ هذا الحبِّ في خَلْوةٍ
صلَّت بها مُهْجتُه خاشعه
في روعةِ الصبّح يَرَى وحده
جبينَها في شمسه الطالعه
ويملأ النفسَ صدَى صوتِها
والطيرُ في أفنانها ساجعه
وينطوي الصّيفُ وأحلامُه
والوصلُ في عيشته الوادعه
يا ليلةَ التّوديع كم لوعةٍ
هاجسةٍ في نفسه الجازعه!
يا حَيْرةَ الأعين في موقفٍ
تُرى به باسمةً دامعه!