من نصف قرن ونَيْفٍ قد أنستُ بها
في خير عيشٍ فلا همٌّ ولا كَدَرُ
إذ طغى الخطب واستردت نوازله
تبسمت فتجلَّى ليله العكر
كانت ضماد جروحي وهي داميةٌ
هي الحياة، هي الدنيا، هي العمُر
يا نفحةً من جناب الله طيِّبةً
مسكيَّةً العَرْف يزكو عرفها العطر
قدسية الروح، أطهار عرائقها
لم يثن من عزمها سقْمٌ ولا كبر
طهْرُ الضمير فلا غلٌّ ولا حَسَدٌ
عفّ اللسان، فلا لغو ولا هذر
سمحاء طيّبة الأعراق من نفرِ
سَمَوا فكان لهم فوق السّها وَطَر
آباؤها الطهر أحيا في ضمائرنا
كأنما القوم ما ماتوا ولا قبروا
لما توارت وحلّت في مضاجعهم
ضاءت بهم وتسامت فيهم الحفر
كانت مثالاً من التقوى لها صلة
بالله، أخلاقها القرآن تزدهر
هالوا التراب عليها وهي نيِّرةٌ
كالشمس تحت سحاب الأفق تستتر
يا ربةَ البيت يا مشكاةَ بهجته
العيشُ بعدك مرٌّ كله صَبِر
في كلّ زاويةٍ منك به أثر
إذا مررتُ عليه [يُبكني] الأثر
كانت لنا فيه أوطارٌ تعللنا
وباختفائك عنه اِنتهى الوطر
وحولنا في زواياه، لنا شجرٌ
فروعها أينعت منا لها ثمر
ما زال منك بأفكاري وفي بصري
وفي سويداء قلبي تطلع الصور
تسوَدُّ في عَيْنيَ الدنيا إذا خطرت
كأنما الكون لا شمس ولا قمر
بكتك «إريانُ» وانهالت مدامعها
وكاد يبكيك من جدرانها الحجر
وناح «ريمان» واهتزّت جوانبه
وكاد للهول والمأساة ينفطر
عشنا عليه زمانًا في شبيبتنا
والدهر سلْمٌ فلا خوفٌ ولا خطر
كأن ساحاته العليا لنا حَرَمٌ
لا لهوَ في عيشنا فيها ولا بطر
مازلت أذكر فيها خَطْوَنا وأنا
وأنتِ نحبو إلى أن عاقنا الكبر
أصداء أقدامنا فيها لها نغمٌ
وخطونا لم يزل فيها لها أثر