إلى روح أبي القاسم الشابي
عرفتْكَ الحياةُ بعد الفناءِ
وحباك الزمانُ طولَ البِقاءِ
وكساك الجحودُ ثوب خلودٍ
فوق أرضٍ كثيرة الأنواء
وتبدّيتَ شاعرًا ونبوغًا
شعَّ كالنورِ باهر الأضواء
فبكاك البعيدُ في كلِّ أرضٍ
وبكاك القريب جمَّ البكاء
عرفوا فيك شعلةً تتلظّى
بين جنبيك نارُها في نماء
عرفوا فيك فيضَ لحنٍ شجيٍّ
رَدَّدتْهُ خواشعُ الأصداء
عرفُوا فيك عالمًا سرمديّاً
مِنْ شعور مقدّس وضياء
عشْتَ فيه كطائرٍ يتغنّى
جهلَ القومُ لحنَه في الغناء
عشتَ فيه موزّعَ النفس دهرًا
شاخصَ الطّرْفِ للفضاء النائي
في خشوعِ البتول تتلو صلاةً
للوجود الجميلِ جمَّ الرواء
للصباح الجديد والحب يهفو
منك قلبٌ يضيق في الأحناء
رُمتَ دنيا جميلةً لم تجدها
فوقَ أرضٍ فرُمتَها في السماء
وسلكتَ السبيلَ تسعى إليها
ضاربًا في فضائها المتنائي
وهنا في جلالةٍ ووقارٍ
جُزتَ دنيا الخلودِ والشعراء
فسمعت الهتاف من كلِّ صوبٍ
وتلقَّاك أهلُها باحتفاء
ورأيتَ الأسى يذوبُ ويمضي
كسحابٍ يغيبُ في الأجواء
في وجودٍ كأنَّه لا وجودٌ
وفراديس بهجةٍ وصفاء
وحياةٌ كأنَّها حُلُمُ الشا
عرِ، أو بسمةُ المنى والرّجاء
أيها الشاعرُ الذي كان يحيا
داميَ القلبِ في حياة الشّقاء
أينَ لحنٌ مَوقّعٌ قُدُسيٌّ
يتهادى يشقُّ صمتَ الفضاء؟
أينَ وحيُ الهوى وسحرُ الأماني؟
أين فيضٌ من السّنا والسّناءِ؟
أين أحلامُ خافقٍ يتنزّى
ألمًا من تَنكُّرٍ وجفاءِ؟
أينَ شعرٌ مخلّدٌ أنشدتَه
قافلاتُ الهوى ودنيا النقاءِ؟
كنتَ كونًا من الوداعةِ يمشي
وفؤادًا يطيرُ في الأنحاء
كنت تحنو على قلوبِ البرايا
ولئن ناصبوك حربَ العداء
كنتَ فيهم ككوكبٍ يتلالا
قد أرادوا له قريبَ انطفاء
وتعاليتَ في سمائك تحيا
ساخرًا من تطاول الأعداء
حاملاً كالحياة قلبًا كبيرًا
ما خبتْ فيهِ شُعلةُ الأضواء
ثم لبّيتَ داعيَ الخلدِ لمّا
ضقتَ ذَرعًا بعالم الأحياء
فتضمّختَ بالطَهارةِ والنو
رِ وعانقت عالمَ الشهداءِ