ليَ في القصيدةِ أنْ أزورَ مُقَدَّسي
فأَحُجَّ حجَّ المؤمنينَ بِ(تُونِسِ)
وأطوفَ ثَوْرَتَها الشريفةَ كعبةً
بيضاءَ، طَوْفَ الخاشعِ المُتَلَمِّسِ
يا (تونسَ) الفجرِ الثريِّ وطالما
خُدِعَتْ محاجرُنا بفَجرٍ مُفلِسِ!
طُوبى لوَعيِ الثائرِينَ، تَلَقَّحَتْ
فيهِ البصيرةُ بالدَّمِ المُتَحَمِّسِ
فأنا رأيتُكِ في انتظارِكِ للضُّحى
مرأَى جنينٍ في الظلامِ مُنَكَّسِ
وأنا رأيتُكِ تُولَدِينَ على المدى
نسرًا بغَيرِ سُمُوِّهِ لم يَهجِسِ
هذي البلادُ جديرةٌ في ذاتِها
وصِفاتِها، بالكِبرياءِ النَّرجِسي
هِيَ أبرقتْ لي دعوةً من بَحرِها
وأنا أتيتُ على طريقةِ نورسِ
من طُهرِها الثوريِّ أقبسُ فكرةً
تكسو جبينيَ باليقينِ المُشْمِسِ
وأخيطُ لي حُلمَينِ من أحلامِها
حتَّى تكونَ الآدميَّةُ مَلْبَسي
هِيَ لامستْ مِنِّي بجَمرِ بهائِها
وَتَرًا على طول الحشا لم يُمْسَسِ
فدَرَسْتُها عبر الخريطةِ إنَّما
ألفيتُها في الأرضِ ما لم أدرسِ
أربَى على سَعَةِ الرَّقيمِ جلالُها
وطغى الجمالُ على حدود الفِهرِسِ
هذي البلادُ هواؤُها حُرِّيَّةٌ
مِلْءُ الفضاءِ فيا حروفُ تَنَفَّسي
وخُذي مداكِ من التَّحَرُّرِ..(أَلْحِدِي)
و(تَهَوَّدِي) و(تَنَصَّري) و(تَمَجَّسي)
فالحرفُ يَدنَسُ وَهْوَ غير مُحَرَّرٍ
وإذا تَحَرَّرَ فَهْوَ غير مُدَنَّسِ
هذي البلادُ تَجَسَّدَتْ في خاطري
عن كائنٍ بهواجسي مُتَلبِّسِ
تتشابهُ الأشجانُ لا أشكالُنا
فنرى على المرآةِ ما لم يُعكَسِ
خاضتْ مع الدنيا شراسةَ حربِها
حتَّى الوصول إلى السلامِ الأَشْرَسِ
هذي بلادُ الطيِّبِينَ فخُضْرَةٌ
مِلءُ المكانِ، وخُضْرَةٌ في الأَنْفُسِ
والشعبُ عُشْبُ الأرضِ حيث كِلاهُما
- غيرَ اخضرارِ صِفاتِهِ - لم يَكْتَسِ
والحُبُّ أكثرُ من كلامٍ بائتٍ
(مليونَ عامٍ) في لِسانٍ أخرسِ
وأنا بجيشِ الفاتحِينَ قلوبَهُمْ
للحُبِّ، جِئتُ كفارسٍ مُتَمَرِّسِ
أنا (عُقبةُ) العُشَّاقِ.. لا تَتَسَلَّحي
في وجهِ أشواقي، ولا تَتَمَتْرَسي
لِيَ في القصيدةِ أنْ أَظَلَّ مُحارِبًا
يقِظًا فوَقتُ الشعرِ وقتُ تَوَجُّسِ
أقبلتُ من أقصى المشاعرِ فاتحًا
من أَطْلَسِ الأرواحِ كلَّ الأطلسِ
طُرُقي إليكِ بقَلبِيَ اسْتَطلَعتُها
رَصْدًا، وإحساسي أداةُ تَجَسُّسِي!
أنوي احتلالَ هواكِ عبر كتائبٍ
فُرسانُهُنَّ من الندَى والنَّرجِسِ
مَنْ مُبلِغُ (الحُصُرِيِّ) في ملكوتِهِ
أَنِّي بلَيْلِكِ كوكبٌ لم يَنعَسِ؟!
وأنا هلالُ منارةٍ في (جامعٍ)
ب(القيروانِ) كقلبيَ المُتَقَوِّسِ
وأنا ب(قرطاجِ) الحضارةِ قُبَّةٌ
أبديَّةٌ حيث الخلودُ مُهَندِسي
أَبَدًا أُفَلسِفُ فيكِ نبضَ صبابتي
فتبوحُ فلسفتي بما لم أَحدِسِ
بِكِ قد تحسَّستُ الحياةَ فحَلَّقَتْ
روحي بأُفْقٍ من رقيقِ تَحَسُّسيً
لي في القصيدةِ من جَمالِكِ رَيْعُهُ
فهُنا الجمالُ بضاعةٌ لم تُبخَسِ
يا (تونسَ) الشَّعبِ المُجَرَّدِ ثائرًا
من ثائرٍ بدَمِ الكفاحِ مُغَمَّسِ
شعبٌ يُجِيدُ قياسَ كلِّ مسافةٍ
بين الخلاصِ وبين طَلقِ مُسَدَّسِ
زَرَعَتْ (فرنسا) فيكِ نبرةَ صوتِها
لكنَّ صوتَ الله لم (يَتَفَرنَسِ)
لكِ في العروبةِ نغمةٌ من طائرٍ
- في غير لونِ غنائهِ - لم يُحبَسِ
ولكِ (ابنُ خلدونَ) العظيمُ خزانةٌ
من ألفِ كنزٍ بالعلومِ مُكدَّسِ
ولكِ النُّهى تفتنُّ في (الزيتونة ال-
خضراء) رمزَ هُوِيَّةٍ لم تُطْمَسِ
والفاطميُّون الأُلى مَلأُوا سماواتِ-
الفُنونِ من (الجواري الكُنَّسِ)
لكِ في العروبةِ غَربُها مُتَوَحِّدًا
بالشرقِ، وحدةَ نخلةٍ بالمَغرِسِ
ولنا معًا من حُبِّنا جِنسِيَّةٌ
كَونِيَّةٌ،، فالحبُّ غيرُ مُجَنَّسِ!
يا (تونسَ) الأملِ الذي في صَوتِهِ
صوتُ الحياةِ يصيحُ بي: لا تَيْأَسِ!
أنا ما يَئِسْتُ وإنْ بَدَوْتُ كعاشقٍ
من رحمةِ الشوقِ المُؤَلَّهِ، مُبْلِسِ!
لا تَعذُليني - والحياةُ سياسةٌ -
إنْ لم أكنْ في الشعرِ غيرَ مُسَيَّسِ
فالمَدُّ وسوسةُ البِحارِ، ومنْ رأى
مِنْ قَبْلُ، بحرَ الشعرِ غيرَ مُوَسْوِسِ؟!
كانتْ مُقيَّدةً رُؤَايَ، وأنتِ منْ -
أطلقتِها طَلْقَ السِّهامِ من القِسِي
لستُ (الأُحَيْمِرَ) غيرَ أَنِّيَ أحتفي
بعُواءِ (ذِئبٍ) داخلي، مُسْتَأنَسِ
فالشعرُ (تطبيعُ) القلوبِ على الأسى
حتى نرى في (الحوتِ) معبدَ (يُونسِ)
وإذا اسْتَضَفْتُكِ - والقصيدةُ مجلسٌ -
ليَ أنْ أُوَسِّعَ لاحتضانِكِ مجلسي!!