من هاهنا وإلى حيث ارتقى شفقي
ومن هناك إلى حيث انتشى ألقي
إلى زمانٍ بلا وجهٍ، وأمكنة
بلا جهاتٍ، وأنحاءٍ بلا أفق
إلى غدٍ داعب المسرى، إلى أزل
أنفاسُه نفَحاتُ الشيحِ والحبقِ
كلُّ الفجاجِ غدت مني إليّ، وفي
عُرفِ النواميسِ كنتُ الباهرَ البَلَقِ
ليَ الخلودُ ولي خفْقٌ أقسِّمُه
على الفصولِ وما استغشيتُ من أرقِ
أنا هنا حين كان المجدُ أحجية
وكنت سرَّ جمالٍ غيرَ منعتقِ
أنا هنا، نبّهتني الشمسُ ذات ضُحى
والريحُ تجذب أرداني من الحنَقِ
فسرتُ والضوءَ، روحًا واحدًا، وعلى
آثارِنا نبتتْ نُوّارةُ الفلقِ
وهيّأ الأبدُ العاتي لمقدمِنا
مجامرَ الخُلْدِ ضوعًا ساحرَ العبَقِ
وصبَّ قهوتَه السمراءَ نافحةً
بمبسِمٍ فوق قوسِ النورِ منزلِقِ
أنا ابتهالُ عشياتٍ منغّمةٍ
أنا غناءُ السواقي حَزّةَ الغسقِ
وكان لي في فيافي العُرْب مُحتَفَلٌ
شهودُه أنجمٌ تترى على نسقِ
إني لأبصرُ أرواحًا تطوفُ على
هذا المكانِ، وأشباحًا على الطرقِ
وفي الجِواء وجوهٌ لستُ أنكرُها
وفي الدروب ملايينٌ من الحَدَقِ
وألمحُ الآن بعضَ الشعر منجدِلا
وملءَ عينيه شيءٌ من دمٍ علَقِ
وفوق رأسيَ أبياتٌ مولّهة
تهيم ظمأى لشدوٍ من فتى حذِقِ
وتحت كلِّ حصاة سرُّ قافية
ألقتْ إليها البوادي أذْنَ مسترِقِ
قف هاهنا نبك، بل قف هاهنا جذَلاً
ولْيكرَعِ الحرفُ في نهر بلا شرَق
فها هنا كم بقايا فارسٍ بطلٍ
قد جندلتْه شظايا شاعرٍ نزِق
وكم تواريخَ مرّتْ وهْي مُطرِقةٌ
وكم تباريحَ من ذي مِقوَلٍ نَطِقِ
وهاهنا رقدت أصواتُ من عبروا
فخفّف الوطءَ، بعضُ الصوتِ في الرمَقِ
أكاد أنظرُ أفواهًا ممرّدة
من الفصاحة تغذو الروحَ بالألَقِ
فهات من مُترَفِ الأشعار متّكأً
وامدُد نمارقَ أنغام لمرتفقِ
وافرِش زرابيَّ إبداع مزركشةً
يُحسَى عليها بيانٌ غير مندلقِ
وادعُ النوابغَ والأعشَيْنَ كي يصلوا
حبل الخيال بشعرٍ جدِّ مؤتلقِ
ولا تدعْ لهفةَ الخنساءِ هائمةً
فمثلَ ذاك النُّواحِ العذبِ لم نذُقِ
وابعث مواعظَ قُسٍّ من مكامنها
تنشرْ بها غيمةً قدسيّةَ الودَق
واهتف بصنّاجة الأشعار يشْدُ لنا:
"ودّع هُريرةَ" من ديوانِه الغَدِقِ
إن لم يُطق رحلةَ الأحبابِ موجِعةً
فكلّ من ذاق طعمَ الحبِّ لم يُطِقِ
ونادِ في كل نادٍ: كلُّ قافيةٍ
لها الأمانُ من الأوصابِ والحُرَقِ
تلك الذخائرُ أعلاقٌ مذَهَّبةٌ
ولم تلفّفْ بأسمالٍ ولا خِرَقِ
نار البلاغة أورتْها فكان بها
دفءُ الصِّلاءِ، وما طابت لمحترقِ
حسيسُ تاريخِها يدنو، ويورثُني
شيئًا من الأمل المشبوبِ والحنَق
لسانُ يعربَ هل غارتْ بلاغتُه؟
أو هل أغار عليه طيشُ مختنق؟
حديقة صال فيها القيظُ فاصطبرتْ
وهْي الجنى الحلوُ مبذولاً لمرتزق
رِيعتْ ولم يبدُ من أطيارها حدَبٌ
يا حسرةَ السيفِ لا يُهدى لممتشِقِ!
فإن تضاحك في أشجانها ألمٌ
فالدمع يضحكُ بين المُوقِ والحدَقِ
وجهي من الرَّوْح والرَّيحان، ملء فمي
سحرُ الحكايات، كُنهي غير مختلَقِ
البرقُ والرّعدُ أورادٌ لأمسيتي
وفي البكور قَراحُ الغيثِ مغتَبَقي
مددتُ للطلحِ فيئًا في مفاوزِه
وكم تهجّيتُ نبضَ الطين والعرق
وطُلتُ في الأفْق نخلاً، هل بصُرتَ بما
أدنيتُ من رُطب زاهٍ لمُعتَذِق؟
ظَلَّ الزمانُ معي مذْ كنتُ همهمةً
وما اختلفنا ائتلاقًا، ما بقيتُ بقي
أشرقتُ نجمًا بشوشًا، ما له سلفٌ
فيا قوافيَّ ردّي الصوت وانطلقي
أريد حرفًا حياةً ملءَ أوردةٍ
لا أرتضي الحرفَ مصلوبًا على الورق
أريده تستفزُّ الدهرَ هيئتُه
حسنًا وتصبغُ وجهَ الموتِ بالفَرَق
في جمر عينيه دفءٌ سامرٌ وعلى
شتّى خوابيه شَهْدٌ للعُفاة نقي
أنا البقاء، تحدّى للفناءِ يدًا
ما كان للبحر أن يخشى من الغرقِ