تخطَّ إلى المحتوى

كنا نظنك آخر الدنيا

تفعيلة الكامل

١٢٩ بيت

النسيب

كنّا نظنّكَ آخِر الدّنيا

وبعدَك يبدأ المجهولُ

غيلانٌ ، أسودٌ ، همسُ أشباحٍ

ومن يعبرْ نخيلَكَ موهناً ،

لا بدّ ، تخطفْهُ السّعالي ،

في الصّباحِ نجُسّ مغتبطينَ جذعَ النّخلِ

لا قدمٌ لسَعلاةٍ ،

تطيرُ فواختٌ ،

أمٌّ تصيحُ ،

قناطرُ الماشينَ يجرُفُها صعودُ المدِّ

يصعدُ جدّنا عندَ الضّحى الملساءَ ،

تلك النّخلةَ الملساءَ، هُزَّ عذوقَها

هي هَزّة أو هَزّتانِ ، تساقطتْ رُطباً ،

تساقطنا نُثاراً بعدَ ذاك الصيفِ ،

والبستانُ يعبرُنا إلى موتٍ ،

ونعبره ، إلى المجهول ، لا ندري ،

حدودُ الأرض تُوصَدُ في نهايته

وكان الحتفُ منتظراً خطانا

لو تجرّأ بعضُنا أن يعبرَ البستانْ

جئنا وأوّلُ من غنّى لنا الوجعُ

جرحُ ال(دِلِلُّولْ)فينا اليومَ يتّسعُ

نمشي ونُخفي جراحاتٍ تمزّقنا

متى يمَلُّ وحادي عمرِنا يقعُ

الدّمعُ صاحبَنا من يومِ صرختِنا

وحاكتِ الخِرقةَ الأولى لنا البِدَعُ

سرنا معًا ليس من نورٍ ولا ألقٍ

إلا عواصفَ لا تُبقي ولا تدعُ

كان النخيلُ لنا في العادياتِ أبًا

بكلِّ جودِ عطاءِ النّخلِ ننتفعُ

الهورُ ملعبُنا والنخلُ خيمتُنا

طفولةٌ حصّنتْها الآيُ والوَدَعُ

حتى سُبينا وباعوا عُنوةً دمَنا

كما تباعُ بسوقِ القريةِ السّلعُ

لهفي على كلِّ حبٍّ هدهدتْ يدُهُ

قلوبَنا رغم مَن قالوا ومن منعوا

لهفي على كلِّ دربٍ صان موعدَنا

وكلِّ واشٍ على الأبوابِ يستمعُ

أُحبُّهم رغم ما قالوا وما زعموا

يا ليتهم بعدما غابوا بنا رجعوا

أمرُّ ليس سوى الغِربانِ ناعقةً

وليس إلا على أبوابِها لُكَعُ

ياحاديَ الدّربِ طوّحْ ليس من قبسٍ

وليس لي في ربوعِ الدّارِ منتجَعُ

منذ عبرْنا البستانْ

كان الحدّ الفاصلَ

بين حدود الدنيا

وحدود الفرح الراكضِ

في أقدام الصبيانْ

عائلةُ البستانِ تشظّتْ

في الطّرق الموبوءةِ والوديانْ

والنخلُ تناثرَ أشلاءً ،

شاخ الصِّبيَةُ ، والتفّتْ

بإزار الدمعِ النسوانْ

غاب الناعورُ عن الشطِّ

وعاثتْ بالتمر الغربانْ

عائلةالبستان اليومَ

بلا وجهٍ أو عنوانْ

هي من طينةِ القرى

وإليها حنينُها

جَرّةٌ قد تفتتْ

للقرى عادَ طينُها

سأغلقُ البابَ يا قلبي وأقفلهُ

فمَن تلومُ ومَن يا قلبُ تسألهُ

اليومَ تُطفيءُ تاريخًا بأكملهِ

فقد مضى من هو التاريخُ أكملُهُ

واليومَ تبكي من الأيّامِ أجملَها

فلن يزورَكَ من ماضيكَ أجملُهُ

تقولُ علّ عسى لكنّها رحلتْ

ماذا تقولُ وماذا أنتَ فاعلُهُ

لنا مسيرةُ عشقٍ ألفُ رائعةٍ

أهكذا تدفنُ الماضي وتقتلُهُ

ما كان يعرفُ قلبٌ كنتَ تطفؤهُ

بأنّك اليومَ حدَّ الوهجِ تشعلُهُ

وما درى أنّ ترحالَ الهوى وجَعٌ

وآخرُ الدّربِ قتّالٌ وأوّلُهُ

لملمْ جراحَكَ وارتقها على مضضٍ

فبين جنبيكَ جرحٌ كيف تحملُهُ

قلبٌ إذا مرّتِ الذكرى تؤرّقه

بمَن تُرى بعد ترحالٍ تعلّلُهُ

تمشي الجراحُ بنا والدرب ينزفُنا

وليس من مُعشبٍ في الدربِ ننزلُهُ

ريحٌ بنا استذئبتْ لا ظلَّ يُنجدُنا

وقد جثا من سوادِ الليلِ كلكلُهُ

حادي القوافلِ أعمى والسُّرى عَثَرٌ

نجثو على الصّخرِ إعياءً ونركلُهُ

جفّ الفؤادُ ولا نبعٌ يلوذُ بهِ

إلاّ دموعَ أسىً حرّى تبلّلُهُ

يسيربي ليس يدري والأسى جملي

بدمع مقلتيَ الحرّى أجللّهُ

الدّهر يقتلنا في كلّ منعطفٍ

ونحن بالعشق والأشعارِ نقتلُهُ

وراحلٌ والهوى العذريُّ راحلتي

كم بدّلوا غيرَ أنّي لا أبدّلُهُ

هي من طينةِ القرى

وإليها حنينُها

جَرّةٌ قد تفتتْ

للقرى عادَ طينُها

مثلَ زُجاجِ آخِرِ الحاناتِ

في آخِرِ ليلٍ حينما يشتبكُ السّكارى

والمهرّجاتُ يخلعنَ وجوهَ الليلِ والأصباغَ،

قد تناثرتْ في يدِكَ الأيامْ

وقبلَ أن تكرعَ من آخِرِ كأسٍ ، قبلَ أن تنامْ ،

في حضنِها بغيرِ ميعادٍ مع الصّباحِ ،

قبلَ أن تهبطَ في بوّابةِ الظّلامْ

آخِ رمالَ الدّربِ ، آخِ النّملَ والهَوَامْ ...

هي من طينةِ القُرى

وإليها حنينُها

جَرّةٌ قد تفتتْ

للقُرى عادَ طينُها

حين وصلنا آخرَ الطريقْ

تبددتْ كالرملِ أغنياتُنا

وغاب عن أعيننا البريقْ

يا زهرةَ الحياةِ

خبأتِ لمن

لمن لمن؟؟؟ عطرَكِ والرحيقْ

هي من طينةِ القُرى

وإليها حنينُها

جَرّةٌ قد تفتتْ

للقُرى عادَ طينُها

ماذا تركنا خلفنا

يا أيّها الحادي

لمستَنا

باقةَ زهرٍ ربّما

رسالةً ساعةَ ميعادِ

الصوتُ يدعونا إلى الوادي

هي من طينةِ القُرى

وإليها حنينُها

جَرّةٌ قد تفتتْ

للقُرى عادَ طينُها