تَعَوَّدَ عَيشي أن يُنَغِّصَني العَيشا
ويَبعَثَ جَيشًا كانَ جُنديُّهُ جَيشا
مِنَ الهَمِّ وَالإملاقِ وَالسُّقمِ وَالأذى
وَأعنَفُنا بَطشًا كَأضعَفِهِم بَطشا
أُقاسي البِلى مِنهُم بِغَيرِ هَشاشةٍ
فَكَيفَ بِمَن قاسى عَناءَ البِلى هَشّا؟
فِلَسطينُ، كَالسودانِ، تَنهَشُها البِلى
فَيا لَيتَها تُنهي، كَسورِيَةَ، النَّهشا
فَباقي بِلادِ المُسلِمينَ، وَإنَّهُم
أقَلُّ لِما يَنتابُ إخوانَهُم دَهشا
إذا قُلتُ: إنَّ المُسلِمينَ لِبَعضِهِم،
أرى جُلَّ مَن فيهِم يَقولونَ لي: أيشا؟
كَأنَّ غِذاهُم في مَجاعةِ غَيرِهِم
وَيَروي ظَماهُم أن يَرَوا غَيرَهُم عَطشى
تَراهم لِشَتمِ الآخَرينَ سَوامِعًا
وَلكِن لِعَونِ الآخَرينَ تَرى طُرشا
فَإن تَخشَهُم تَخشَ الغُثاءَ، وَإنَّما
غُثاءُ مِياهِ السَّيلِ أولى بِأن يُخشى
فَلِلّٰهِ أمرُ المُسلِمينَ وَجَعلُهُم
وُهاةً لَهُم جَأشٌ وَمِن قَبلُ لا جَأشا
وَقَد أصبَحوا عُمشًا، وَلا لَومَ، إنَّما
ألومُ الَّذي أفضى إلى جَعلِهِم عُمشا
ألومُ حُكوماتِ السَّلاطينِ، إنَّهُم
تَناهَوا عَنِ الإحسانِ وَالعَدلِ لا الفَحشا
وَإن شاءَ شَيخٌ أن يَرُدَّ ضَلالَهُم
فَإمّا بِهِم يَفنى وَإمّا بِهِم يُرشى
رَشَوا أحمَدَ بنَ الطَّيِّبِ الجَهمَ دِرهَمًا
فَصاروا لَهُ رَبًّا وَصارَ لَهُم فَرشا
تَواصَوا بِدُنياهُم، وَلا هَمَّ عِندَهُم
سِوى أن يَنيكوا الفَرجَ أو يَملَؤوا الكِرشا
إذا لَم يُضَحّوا بِالكِباشِ، فَقُل لَهُم:
كُفِيتُم، فَقَد صِرتُم لِأعدائكُم كَبشا
يَدوسُ يَهوديٌّ عَلَيهِم لِضَعفِهِم
وَمِن فَوقِهِم يَمشي وَلا فَوقَهُ يُمشى
وَلَيسَ عَجيبًا أنَّ مِن فَوقِهِم مَشى
وَلكِن عَجيبٌ أن يُعِدّوا لَهُ المَمشى
كَأنَّ اعتِلاءَ العَرشِ أوهى عُقولَهُم
فَقَد يُعتَلى المَرءُ الَّذي يَعتَلي العَرشا
بَرِئتُ إلى الرَّحمٰنِ مِنهُم، وَإنَّني
أعوذُ وَأخشى أن أشابِهَهُم طَيشا
فَأُصبِحُ كَالسيسيِّ شَحّاذَ غَيرِهِ
وَكُلِّ فَرَنجيٍّ يُرَكِّبُهُ فَيشا
تَحَكَّمَ فينا مَن يَصيرُ بِذُلِّهِ
لِأعدائنا إنسًا وَأمّا لَنا وَحشا
يَظُنُّ بِزِيٍّ لَن نَراهُ بَهيمةً
وَلا شَكَّ أنَّ الجَحشَ يُبصِرُهُ جَحشا
وُلِدنا وَإفشاءُ السَّلامِ بِطَبعِنا
وَلَم نَرَهُ إلّا غَباوتَهُ أفشى
أيا ابنَ سَعيدٍ حينَ تُدرِكُ غِشَّنا
وَيا ابنَ حَزينٍ حينَ لا تُدرِكُ الغِشّا
عَلَيكَ مِنَ اللّٰهِ العَظيمِ عَظيمةٌ
سَتُنعَشُ مِنها حينَ تُدخِلُكَ النَّعشا
وَلَو لَم تَكُن بِالهَجوِ تَزدادُ قيمةً
هَجَوتُ بِما يَعلو مُعلَّقةَ الأعشى