إيهِ يا ريحانةَ الوادي السحيقْ
أنعِتي الأجيال من غورٍ عميقْ
نفِّسي عني أزيزَ المرجلِ
واهزجي لي هَزَجَ الحادي الرفيقْ
إصدحي يُصِغ لنا قلب الزمنْ
ردّدي الأنغامَ من وحي الشجَنْ
رجّعي ما شئت من أغنيةٍ
تصف الاشجانَ في نفس الشَّجِنْ
حدِّثي أختاه عن ذاك الأملْ
حين كان الكون في طيِّ الأزلْ
كان في عمياءَ لا نعرفها
نحن فيها كالمعاني في الجُملْ
حين كان الله في عليائهِ
يسمع التقديسَ من أنوارهِ
وحدةُ الكون جمال الأولِ
مظهر التنزيه في إظهاره
حين، لا حين ولكن صانعٌ
جلّ ذاتًا عن خفيات الفِكرْ
إنما الحين سرابٌ خادعٌ
خُلَّبُ البرق له أجلى أثرْ
قالتِ اسمعْ يا نديمَ السهرِ
همسةَ الأصداء من رجع الحنينْ
آهِ! لو أسطيع أن يُؤْذَنَ لي
لسمعتَ اللحن فياضَ الأنينْ
نفثةُ الشعر على قيثارتي
وحديثي صادق الوحي يقينْ
إنما الأمر عَماءٌ غامضٌ
لا تُجلِّيه عميقاتُ الظنونْ
لا، ولا هذي العقول النائرهْ
في فيافي الفكر تهذي هاذرهْ
هذه الذرات تمشي حائرهْ
سابحاتٍ في فضاءٍ عاثرهْ
عابساتٍ في وجومٍ ثائره
أين؟ لا أينَ، ولكن سائره
من سماء الله جاءت حادره
عن معمَّى الكون تجلو سافره
تسمع الآلامَ منها والأسى
تقرأ الآمال عنها والمنى
وهي كالأحلام في قلب الدجى
وهي مزجٌ من قنوطٍ ورجا
مُطْفِلٌ فارقَ عينيها الْكَرَى
زادها الوجدُ التياعًا وجوى
ورّثت أطفالَها كهفَ النوى
حين ضلَّت عنه لا تدري المدَى
رنّةٌ في هزمها تحكي الأثيرْ
أصل هذا الكون من نفح العبيرْ
سرُّ هذا أنها عزفُ الضميرْ
بلحونٍ مثل أنّات الأسيرْ
زهرةٌ لاحت لنا في السَّحرِ
من بديع الزهر كانت أملا
قالتِ اسمعْ، لا تكن تحت السَّما
بل سُموّاً فوق أطباق العُلا