لقد جرى في عصرنا عجيبه
نادرةٌ باردةٌ غريبه
وذاك أن الرجل المحجَّلا
مرَّ بأقوامٍ رعاعٍ جُهَّلا
دمالجُ الحديد في يديهِ
وحلقتا صفرٍ على أذنيهِ
ليس له شيءٌ من المتاعِ
إلا من العظام قدْرُ صاعِ
فحينما رأوه قالوا نشهدُ
أنك أنت شيخُنا المفتقَدُ
فقال إني رجلٌ فقيرُ
غريب دارٍ بلدي كشميرُ
رُبيّتُ في كنجٍ وأرض كرمانْ
اسمي بلفظ الفرس «ميرفرمانْ»
قالوا له بل أنت شيخُنا الذي
كنت صبيحَ الوجه ذو العَرف الشذي
والساحرون غيّروا محيّاكْ
وأحرمونا شَمَّ طيب ريّاكْ
وهذه نخلُك يا عزيزَنا
فلاّحُها الذي بها قد اعتنى
وعدَّدوا له الضواحي كلها
مع النخيل دِقَّها وجِلَّها
وكل فلاحٍ وكل دهقانْ
قد عرَّفوه باسمه كما كانْ
وأخبروه بالأمور السالفه
وعدَّدوا تالدهُ وطارفه
فاستأنس الفقيرُ من هذا الخبرْ
وقال أيقنتُ بأنهم بَقَرْ
لما رآهم كونهم محقّقينْ
قال نعم إني أراكم صادقينْ
فيما زَعَمْتُمْ وأنا هذا الأميرْ
ومن صفا لي فهوَ لي حقًا وزيرْ
وهذه نخلي وهذا مالي
لكنَّ كفّي اليوم منه خالي
سيروا إلى زيدٍ وهاتوا الدفترا
وحاسبوا عَمْرًا بما قد دبَّرا
وكلِّموا فلانَ أن يرسل لي
بأجرة الدكان وليستعجل
وقد أتاه بعض أعيان البلدْ
وهو الذي لم يشتبه على أحدْ
قال أنا الأمير لكن سحروا
عقلي ولبّي ولعقلي غيّروا
وشبْهُ ذا من الخرافات التي
ينكرها من كان ذا بصيرةِ
فعند ذاك اجتمعوا عليه
وقبّلوا يديه معْ رجليه
وفكَّكوا عنه الحديد والحَلَقْ
ثم استداروا حَلَقًا خلف حَلَقْ
وأبدلوا ثيابه الرثيثه
بغيرها في ساعةٍ حثيثه
واعتقدوا بأنه الأميرُ
وأنه في العالَمِ البصيرُ
لم يعلموا بأنه تلبيسُ
به دهاهم شيخهم إبليسُ
وأن من ناصحهم قيل لهُ
أنت بليدٌ عندنا وأبلهُ
أنت عدوُّ الشيخ لم ترض بأنْ
يرجع للدار ويأتي للوطنْ
قصْدهُمُ أن يعزموا عليهِ
ليُرْجِعوا صورته إليهِ
وهذه الصورة قد ركّبها
ربُّ السموات التي ركّبها
صورة هنديٍّ ولفظُ هنديْ
وسمْتُ هنديِّ وطبْع هنديْ
أنَّى له أن تستحيل صورتُهْ؟
ولفظه وطبعه وسيرتُهْ
وهل سمعتم أنَّ ساكن اللحودْ
يخرج منها وإلى الدنيا يعودْ؟
هذا محالٌ والمحال لم يكنْ
فلا تصدِّقْه ولا به تظنْ
هيهات إلا يوم نفْخِ الصورِ
يوم الجزا والبعث والنشورِ
واللهُ جلَّ خاطب الشهيدا
أعنى أبا جابرٍ السعيدا