حَتّام هذا الأسىٰ يا أيها البَلَدُ
فارقْتُ أرضَكَ لا قلبٌ ولا كبِدُ
مضتْ سنونٌ عِجافٌ وهي راحِلتي
خمْسٌ وعَشْرٌ خَلَتْ يحدو بها الحَرَدُ
تغفو بناتُ الثُّريّا في مجَرَّتها
وترقَبُ الفجرَ مِنّي أعْيُنٌ سُهُدُ
قالوا تسَلّى بأطيافٍ فقلت لهم
وكيف تغفو جفونٌ ملْؤها رَمَدُ
ماذا جنيْتُ من المنفى سوى ألَمٍ
جاشتْ له نفسُ حُرٍّ طبعه الرَّفَدُ
وأيُّ نفسٍ كنفسي كُلّها شَمَمٌ
وحوْلها أمّهاتُ المجدِ تحتَشِدُ
وهذه قامتي طوْدٌ يُلاذُ بها
فيها الأسِنّةُ والأسياف تخْتَضدُ
توَهّمَ القومُ حتى قال قائلهم
ثَهْلانُ هذا الذي نرميه أم جَسَدُ
يا أيها الدرُّ في التيجانِ مسكنهُ
وتارةً في نُحورِ الغيدِ ينْتَضِدُ
سيعرِفون الذي أصداؤه حُبِسَتْ
لا يُعْرفُ الدرُّ إلّا حين يُفْتَقَدُ
حتّامَ هذا الأسى والهمُّ يا وطني
فارقْتُ أرضك والأنفاسُ تتَّقِدُ
فارقْتُ فيك نفوساً ملؤها شجنٌ
تغفو على مهجةٍ حرّى وتبْتَرِدُ
آهٍ على أمّة موْتورةٍ ثُكِلَتْ
بصفوةٍ من بنيها الغُرِّ قد فُقِدوا
تأوي إلى الموتِ من وحشٍ يُمَزّقها
تفرُّ منه إليه وهي تطّرِدُ
الصبرُ يحدو بها والحزن يُثقلها
تهفو على الموتِ والإعلام يضْطهدُ
وطغمةٍ من بني الأوباشِ قد سلَبوا
أرضي جُزافاً بتقْتيلٍ ولا قَوَدُ
إن ساءلَ اللهُ عن موْؤدةٍ قُتلتْ
فألفُ موؤدةٍ في بطشهم وَأدوا
أنت الدواءُ وأنت الداءُ يا وطني
هلْ من دواءٍ لِمَن أعضاؤه قِدَدُ
فكيف ترجو مَتاعاً من أخي سَغَبٍ
هل يُطلَبُ الأُنْس ممّن عيشه نَكَدُ
أبناءُ قومي عجيباتٌ رغائبهم
لا يعبأون بمن عاشوا ومن لُحِدوا
ربُّ السياسةِ أغناهُم بأرصِدةٍ
فأذّنَ العُهْرُ في المبغىٰ وهم سجَدوا
فواحدٌ تشتري الدنيا حقائبه
يحوطه الدفءُ والأموالُ والرَّغَدُ
وواحدٌ نغمةُ الكرسيِّ تُطربه
وشعبه في سجونِ الظلمِ مُضطهَدُ
فهُم ألوفٌ إذا عُدَّتْ فضائلُهم
وساعةَ الكَرِّ والإقدامِ لا أحَدُ
لو فرّقوا المال بين البائسين كما
جادوا بتفريقِ شعبٍ وهو ذا، بَدَدُ
هذي يميني رِهاناً سوف أقطعها
إن أجمعوا أمرهم يوماً أو اتّحَدوا
أبناءُ قومي لقد ماتت ضمائرُهم
عفواً وإن لُحدوا يمْقتهُم اللَّحَدُ
ولاتَ يُجدي عِتابي مَن به صَممٌ
من يطلبُ الثوبَ من عَريانَ لا يجِدُ
دافوا فعالَ الخنا بالمنطقِ الحَسَنِ
كما يُدافُ بسمِّ الأرقمِ الشَّهَدُ
في كلِّ قِدْرٍ لهم كَفٌّ ومِغرَفةٌ
في كلِّ طرْسٍ لهم حرْفٌ ومُعْتقَدُ
يدٌ تُمَدُّ إلى المظلومِ تنصُرُه
وصافَحَتْ أيديَ المستعْمرينَ يدُ
تلَوّنوا مثلَ حَرْباءٍ لناظِرِها
وواعَدونا وقد طالتْ بنا المُدَدُ
الشاربونَ دماءَ الناسِ عن ظمأٍ
هلّا رَوَيْتُم نفوساً كُلُّها لَدَدُ
التائهونَ وعيْنُ الشعْبِ ترْصُدُهُم
لن ينجوَ الكلبُ إن أضرى به أسَدُ