للأرض بعدك رجَّةٌ وتزلزل
لم يستقرَّ بمن عليها منزلُ
والخلق بعدكَ في صعيدٍ واحدٍ
جُمِعُوا وكلٌّ ذاهلٌ لا يعقلُ
والخلق فيكَ فقد أُصِيبوا كلّهم
إذ كان كلّهم عليكَ يُعَوِّلُ
وأرى الفحول من الرجال عليكَ قد
صاحوا وناحوا كالنّساء وأَعْولُوا
والحرب منكَ تأيَّمتْ والخيل من
كَ تيتَّمتْ وكذا الظّباء الذُّبَّلُ
ولطالما أبكيتَها بدمٍ على
مُغل التَّتار وهم بها قد قُتِّلُوا
قد كنتَ راميها المصيب بسهمهِ
وبظنِّهِ ما لا إليهِ يوصَّلُ
وأخا الخداع وصاحب الحيل التي
قد أعجز البطَّالَ منه تحيُّلُ
حيلٌ يكيد بها العدوّ بأرضهِ
تتسابق الأنفاس منه وتعجلُ
حتّى أتى الموت الذي لا حيلةٌ
فيه لمن يحتال أو يتأوَّلُ
فاليوم قرَّت من عداكَ عيونهم
وتوطَّنوا أوطانهم وتأهَّلُوا
وتمتَّعوا بالنّوم بعد سُهادهم
واستقصروا من نومهم ما استطولُوا
وصفا لهم بعد التَّكدُّر مشربٌ
وهنا لهم بعد التَّنغُّص مأكلُ
يا آخذ الدّنيا ومعطيها ولا
منٌّ لما يُعطي وما يتطوَّلُ
يا ظاهراً أنسى الملوكَ حديثُهُ
عزماً ويُنسَخُ بالأخير الأوَّلُ
وله الفتوحات التي فتحت له
جنَّات عدنٍ فهْو منها يدخلُ
أنتَ الذي قتلتْ عداهُ نفوسَهم
من عُظم ما من وهمها تتخيَّلُ
والخوف عونٌ للشجاع على الجبا
نِ مساعدٌ والوهم ممّا يقتلُ
يا مُكثر الغارات في أقطارها
لم يخلُ منه مُعْلَمٌ أو مُجْهَلُ
لم تبقَ أرضٌ أو أثرت ترابها
فعليكَ منه عِثْيَرٌ أو قَسْطَلُ
يوماً ببُرْقَة ثم يوماً آخراً
بالرُّوم تطَّلب التَّتار وتقتلُ
وكذا الحجاز سلكتهُ وملكتهُ
وقضيتَ حجَّاً فرضهُ متقبَّلُ
فعليكَ يبكي المسلمون ويأسف ال
إِسلامُ والدّنيا لفقدكَ تَذهلُ
ولطالما ثكلوا ومثل الظاهر ال
مَلكِ الهمام فإنَّهم لم يَثكَلُوا
يا غائباً في غزوهِ وجهادهِ
وإذا أقام ففكرهُ مُتَرَحِّلُ
ما لي أراكَ أطلتَ غيبة غائبٍ
ما يُرتجى منه كتابٌ يُرسلُ
وكذاكَ من أمسى بلحدٍ ثاوياً
سيُقيم في غيباتهِ ويُطوِّلُ
ولقد تأمَّلتُ البريد وقد أتى
ولسانهُ مُتَلَجْلِجٌ إذ يُسْألُ
وعليه من أثر الكآبة شاهدٌ
بالحال وهو مصدِّقٌ ومعَدِّلُ
وقد افتقدُّتكَ والعساكر عندما
نزلوا على عاداتهم وترجَّلُوا
فإذا المواكب ليس فيها ركنها ال
عَالي الذُّرى أو بدرها المتهلِّلُ
فقطعتُ ثمّة ما قطعتُ وقلتُ وا
أَسفاهُ أين الغائب المترحِّلُ
أين الذي كانتْ لبُود خيولهِ
ليستْ تجفُّ وليس عنها ينزلُ
أين الهمام الظَّاهر الملك الذي
كم أعمل الأفكار فيما يُعمِلُ
فأجاب صوت الموت حيٌّ قد مضى
لسبيلهِ وإلى القبور الموئلُ
هذا هو النَّبأ العظيم وإنَّه ال
أَمرُ الجسيم لكلّ من يتعقَّلُ
خبرٌ تفوهُ به العيون بدمعها
إذ لا لسان يُقلُّهُ أو ينقُلُ
ومصيبةٌ عظمى وخطبٌ فادحٌ
ورزيَّةٌ كبرى وأمرٌ مُعضِلُ
قد هدَّ ركنَ المسلمين وقد هوى
جبلٌ لهم ما إن يُرام ومَعقِلُ
لم أنسهُ في يوم عرض جيوشهِ
وأمامهُ الولد السًّعيد المقبلُ
طوراً يُعَلِّمهُ الطِّراد وتارةً
يُنبيهِ كيف على الأعادي يحملُ
وكأنَّهُ أسدٌ يُفَرِّس شبلهُ
وأشدُّ في الوَثَبات ليثٌ شُبَّلُ
والمُلك ممدود الرِواق عليهما
وله جمالٌ منهما وتجمُّلُ
مُلكٌ يورِّثُهُ ولي العهد سل
طَانُ البلاد المُنعمُ المتطوِّلُ
خلف السَّعيدُ به الشَّهيدَ فأدمعٌ
منهلَّةٌ في أوجهٍ تتهلَّلُ
مَلِكانِ هذا راحلٌ وثناؤهُ
باقٍ وذا باقٍ ثناهُ يرحلُ
ومحمدٌ خلفٌ يقوم بملك بي
بَرسٍ ويُصلح أن يكون ويكفُلُ
فكأنَّ والدهُ به متصوَّرٌ
وبذاتهِ وصفاتهِ متمثِّلُ
وكأنَّهُ ما غاب إلا شخصهُ
عن دستهِ لا ما يقول ويفعلُ
قد قام بالأمر الجسيم ودبَّر ال
مُلكَ العظيم وهكذا المتكفِّلُ
وامتدَّت الأيدي لبيعة ملكهِ
متسارعاتٍ نحوها لا تُمهِلُ
والتُّرك بعد أبيهِ قد حفظوا له
عهداً وكانوا فوق ما هُوَ يأملُ
وهمُ الأسود الضَّاريات لدى الوغى
لم يَثْنِهِنَّ عن الفرائس جَحْفَلُ
واستحلفوا طُرَّاً وقد حلفوا له
أن ينصروهُ وأنَّهم لن يخذلُوا
وسلِ التَّتار تُجبْ بشدَّة بأسهم
وسيوفهم فيهم تُعَلُّ وتُنهَلُ
فليهنِ مولانا السَّعيدَ سعادةٌ
يقضي بها ملك له متأثِّلُ
والله يُبقيهِ ويرحم من مضى
لسبيلهِ وهْو السَّبيل الأمثلُ