إني أتيت إليك اليوم مشتاقا
شوق المحب الذي بالبعد قد ضاقا
يا درة الشرق يا أزهى مدائننا
دوما عرفتك لا تلوين أعناقا
ما زلت أنت كما قد كنت مبهجة
ما زال حسنك مثل النيل دفاقا
إني عشقتك عشقا لا مثيل له
من قبل أن يتعرف البلدان عشاقا
طفت البلاد بلاد الله أجمعها
فما وجدت لجرح القلب ترياقا
حتى وجدتك كالحسناء رائعة
وأنت تبدين مثل البدر إشراقا
أتيت أهفو لأيام الصبا فرحا
أعلل النفس كأس الوصل دهاقا
أسائل الأرض عند ماض سعدت به
أرهقت من سبب الحرمان أرهاقا
أتيت بالشوق أسعى في شوارعها
ما كنت يوما لود الأهل عقاقا
أغالب الشوق في فكري وفي خلدي
والقلب ما زال –رغم العمر- خفاقا
فالعمر ما عاد مثل الأمس مزدهرا
بعد المشيب الذي للرأس قد عاقا
قد مرّ فينا كضيف زائر عجل
والشيب أصبح مثل النجم برّاقا
إن غاب شخصي عن لقياك من زمن
فالقلب ما غاب عن ذكراك إطلاقا
منازل كنت أغشاها وأقصدها
فيها الأحبة أجناسا وأعراقا
يبادلونك ودا خالصا عبقا
سيماهمُ بصفاء الحب قد راقا
قضيت فيها الصبا والعمر أينعه
وعشت فيها ربيع العمر ذوّاقا
للعلم للشعر في أعلى معاهدها
في خلوة الشيخ ما لاقيت إملاقا
وقد سعدت زمانا في معاهدها
"في الثانوية" قد خلدّت أشواقا
في كلّ منعطف لي فيك ذاكرة
وكلّ درب به سامرت أحداقا
الناس فيها كما قد كنت أعهدهم
ج رفقا وحسنا وإحسانا وأخلاقا
ما في علاقتهم مين ولا كذب
ولا مراء لسوء الظن لحاقا
سمر الوجوه على أحداقهم ألق
يشجيك سامرهم بالعدل مصداقا
كل الخرائط في ذهني موثقة
منذ الطفولة ما بدلت ميثاقا
يا بورشودان وما أحلاك في شفتي
تجسد العمر أعماقا وأعماقا
القلب يعتل من شوق يلازمه
والجسم يعتل بعد القلب إعفاقا
البعد أرهقه والشوق أقلقه
يكفيه من ألم الحرمان ما لاقا
قد كان في "المهد العلمي" منبتنا
فيها نهلنا كؤوس العلم أوراقا
شيوخنا علمونا العلم في قيم
عشنا بها في دروب العلم طراقا
صحب كؤوس العلم في شغف
يسامرونك ألواحا وأوراقا
وكلهم بوثاق العلم مرتبط
وكلهم كان للعلياء تواقا
وبعضهم صار للسودان مفخرة
وبعضهم بذل المعروف إنفاقا
يا بورشدان هل في عودة أمل
إني أتوق إلى الأحباب مشتاقا
أجدد العهد
أيام كنت القلب أعلاقا
والكأس لم يبق فضل فيه أشربه
والمزن ما عاد يسقي الأرض غيداقا