يا دارُ، أينَ هواهُ؟ أينَ الساكنونَ؟
لمّا غدا طيفًا كسربِ الراحلينَ
كانت خطاهُ إذا أتاكِ بشاشةً
تزهو فيُزهِرُ دربُكِ المتعانقينَ
واليومَ صرتِ صدى حزينًا ضائعًا
كالنجمِ يُخمِدُ ضوءُهُ بعدَ السنينِ
يمضي ويتركُ خلفهُ ذكرى لظى
تشوي الضلوعَ بحرِّها المستعرينِ
كم قلتُ: يرجعُ مثلما عوّدتُهُ
لكنّهُ عادَ السرابُ إلى العيونِ
فالوصلُ أبهتُ من حديثٍ باردٍ
والهجرُ أصدقُ من وعودِ الظالمينِ
يا من هجرتَ، وكيفَ تهجرُ من هوى
عينيكَ؟ ذاكَ الحبُّ جرحٌ لا يلينِ
إنّ المودّةَ لو نطقت لقالتِ ال
قلبُ المغزّي لا يُسلّمُ للأنينِ
عودًا؛ فدارُكَ لم تُطفّئ نورَها
ما زال فيها دفءُ عشٍّ غابرٍ حانِ
ما زال مقعدُك القديمُ مُشوَّقًا
يشكو فراقَ خطاكَ في ليلٍ رزينِ
والشمسُ تسألُ عنك حين غيابِها
وتردُّ أنفاسَ الشجى فوقَ الغصونِ
إني كتبتُك في القصائدِ لوحةً
يمشي الحنينُ بحبرها بينَ الشجونِ
فإذا أتيتَ وجدتَ قلبي مثلما
كانَ—وفيضُ الودِّ يجري من يمينِ
ووجدتَ في نبضي ربيعًا دائمًا
يمحو جراحَ العمرِ إن طالَ الهُتونِ
يا من تركتَ الدارَ تهتفُ باسمِهِ
كم مُذنبٍ غادر، لكن لا يُدانِ؟
ما زلتُ أرجو أن تعودَ برحمةٍ
تُحيي الخفاءَ وتستعيدُ الياسمينِ
فإذا رجعتَ، رجعتَ ألفَ مسرةٍ
وعلى ثراكَ يعاودُ الطيرُ الحنينِ
أمّا إذا أبقَيتَ حلمي هائمًا
فستبقى دمعًا سائلًا في وجنتينِ.