إلى نيلِها الرَّيانِ أسرى بيَ الشِّعرُ
بلادًا لها في كل قلبٍ هوىً بِكرُ
بلادًا إذا ضاقَ الفتى في ديارهِ
أتاها فزالَ العسرُ، وابتسمَ اليُسرُ
إذا قيلَ "في الأسفارِ خمسُ فوائدٍ"
حدا مركبَ السَّاري إلى شطِّها الفجرُ
وإنْ سُئِلَ الإنسانُ: ما وِجهةُ النَّدى؟!
أشارَ إلى أنحائِها: إنَّها مصرُ
لها مطلعُ التاريخ، ما قامَ جندُها
إلى الغزوِ إلاَّ شعَّ في أفقِها النَّصرُ
عجائبُ مجدٍ أدهشَ الكونَ ضوؤُها
وأيَّامُ عزٍّ غارَ من سحرِها الدَّهرُ
ثَراها ملاذُ الظامئينَ، وقبلةُ ال
علومِ، ونخلُ الفكرِ إنْ أجدبَ الفِكرُ
يحجُّ إليها الوافدونَ، وفي رُبَي
جوانِحِهمْ من فيضِ أشواقِهمْ نَهرُ
وقد نزلوا بالأكرمينَ، نفوسُهمْ
تضوعُ، وفي أجفانِهمْ يورقُ البِشرُ
أقاموا بها يُسقَونَ من ساطعِ الرؤى
كؤوسَ ندىً ما مسَّ أطرافَها الفقرُ
معالمُ دينِ الله فوقَ رمالِها
لها في ذرى الإحسانِ والحكمةِ الصَّدرُ
أيا مصرُ يا أمَّ الحضارتِ إنَّما
لمثلِكَ تحدو رَحْلَهَا الأنجمُ الزُّهرُ
سلوا "أزهرَ" الدُّنيا وقدْ فاضَ نهرُهُ
على كلِّ أرضٍ هل طريقُ العُلى وَعْرُ؟!
يقومُ مقامَ النَّجمِ من نالَ هِمةً
أجلَّ، ولم يخفتْ بأضلاعهِ الصَّبرُ
تضوعُ بعطرِ الهديِ منهُ قلوبُنَا
فما مثلهُ هديٌ، ولا مثلهُ عطرُ
وقُرَّاؤهُ الأبهى يمدُّونَ نورَهمْ
إلى كل قلبٍ في الورى مسَّهُ الضُرُّ
مُرَبُّونَ ينسابُونَ حبًا ورقةً
كأنَّ دروبَ النَّاسِ نارٌ وهمْ جِسرُ
همُ القلعةُ الكبرى إذا الرِّيحُ أقبلتْ
عليهم تهاوتْ فهي في أمرِهمْ صِفرُ
وهم شهبُ الحقِ المبينِ على الألى
يظنُّونَ أنَّ النُّورَ يحجبهُ سِترُ
لَكَمْ حارَ في أمرِ العقائدِ باحثٌ
وفي أزهرِ التوحيدِ بانَ لهُ الأمرُ
وَكَمْ رامَ ياقوتَ البلاغةِ ناثرٌ
ومثلُ لآلي الأزهريينَ لا نثرُ
منارةُ هديِ التائهينَ بأمةٍ
تكاثَفَ فيها الليلُ واستَحْكَمَ الذُّعرُ
لهُ رتبةٌ في النَّفسِ ما نالَ مثلَها
سواهُ، وعندَ القحطِ يُستَعْذَبُ القَطرُ
إذا عاصفٌ أودى بألبابِ قومِنا
أتيناهُ والأشواقُ من حولِنَا خُضرُ
تزولُ ضلالاتُ العقولِ بشمسهِ
وليسَ لمنْ طالتْ ضلالاتُهُ عذرُ
مناهجُ علمٍ لا تجفُّ ضفافُها
وهل جفَّ يومًا عن شواطئهِ البحرُ !
لها لغةٌ كالماءِ يأسرُ عذبُها
وما في سواها لحظةً يُعْشَقُ الأسرُ
حريريَّةٌ خضراءُ شَفَّ معينُها
جمالاً عجيبَ الوقعِ عشاقُهُ كُثرُ
وطلابُهُ لا يحملونَ سوى التُّقَى
وبسمةِ وجهٍ فَيضُ إشراقِها الطُّهرُ
ومَنْ نهلتْ يمنَاهُ من مصرَ نهلةً
فلنْ يتساقى كرمَ أضلاعهِ الهجرُ
أيا مصرُ قد أجريتُ حبي قوافيًا
وفي الحبِّ "لا نهيٌ علينا ولا أمرُ"
فإنْ أخفقتْ أمهارُ شعري فما عسى
أمامَ جفونِ الشَّمسِ قد يصنعُ المُهْرُ !
عليكِ سلامُ الله ما فاحَ عاطرٌ
وما لاحَ في الآفاقِ معشوقُنَا البَدرُ