أَمِنَ السُهادِ وفعلِه تَتوجّعُ
وعَصيُّ دمعِكَ في المحاجرِ طَيِّعُ
يامُدنفاً بالأزرقيةِ قلبُهُ
والدارُ قفرٌ بالبُرَيقةِ بلقعُ
هل يَرجعُ العهدُ القديمُ بها وهل
سَمَرٌ بليلاتِ المنازلِ يَرجعُ
لابُدّ مِن تبَعِ الذُحولِ وإنّما
ذَحَلُ المُسَجّى بالهوى لايُتبَعُ
ما أعنَقتْ عنقاءُ مُغرِبُ باللقا
إلاّ لِيُعنِقَ في عِناقي الَمصرَعُ
رَبَعتْ بأرباع الفؤادِ وَغَلّقَتْ
ما ليسَ يُطرقُ بعدَها أو يُقرَعُ
وتقلّدتْ عَضبَ النوى وَهوتْ به
قَطْعَ الوصالِ وما أراغَ المطمعُ
وهي التي عَلِمتْ بأنّ مكانَها
مِنهُ السُويدا فهو فيها مُودَعُ
فكأنها قطعَتْ نياطَ القلبِ مِن
صدري فظلّ وَجيبُهُ يَتَدعدَعُ
لكنها لم تدرِ ما فعلَتْ بهِ
وكذا الهوى يَسطو عليكَ فتَخضَعُ
بل ذُلُّهُ الذلُّ الُمهيُن وليتني
أرضيتُها بالذُلِّ كيما تَقنَعُ
كجهنّمٍ مهما أذلّتْ مُذنباً
بلهيبها فكأنّها لا تَشبَعُ
مَنعَتْ عليّ وصالَها وتنكّرتْ
وأحَبُّ شيء للفتى ما يُمنعُ
حتى غدَوتُ وثوبُ عُذري خرقَةٌ
بالمُنتأى طَلّابَ مَن لي يَرقَعُ
ولقد تحَقّقَ للشُؤون بأنما
زفَراتُها دَنَفاً بها لا تَنفَعُ
ولقد يَئسْنَ تَحقُّقاً لكنما
عَجبًا ولا أدري لماذا تَدمَعُ
هل خانَها الصبرُ الذي هو خائنٌ
يومَ الرحيل فخانَهُنّ المدمَعُ
إجزَعْ فقد بانوا وما رُجعاهم
بَمقالِ مَن قالوا لماذا تَجزَعُ
يومَ النوى أردَوكَ أشلاءاً به
يومُ النوى مِن كلِّ أشنعَ أشنعُ
ذُقتُ الهوى ياليتَني ماذُقتُهُ
إنّ الهوى مُرُّ المذاقَةِ ألذَعُ
قد نابَني منهُ الشماتَةُ والنوى
وَجَعانِ هَمّا إنما هُوَ أوجَعُ
وشَماتةُ الُحسّادِ لو صُبّتْ على
زُبَرِ الحديدِ فإنّها تَتوضّعُ
بئسَ البديلُ عن السُهاد كواعبٌ
وخَرائدُ الدُنيا لو انْ ليَ تُجمَعُ
وَهْزاءُ تحملُ يَذبُلًا في كَشْحِها
فإذا تَنوءُ يكادُ لا يَتزعزَعُ
لمياءُ لو كرَعَتْ ببحرٍ لانبَرى
منهُ الُأجاجُ مزاجَ شهدٍ يُكرَعُ
ميساءُ تزهو أو تتيهُ كأنّها
تمشي على هامِ الورى وتُجعجعُ
هيفاءُ ما عَقدَتْ على خَصرٍ لها
قطّ سوى ما تَرتديهِ الإصبَعُ
وَتميسُ في حُلَل الدمَقسِ كأنّها
ظَبْيٌ تفضّلَ بالَحرير مُبرقَعُ
أو دُميةُ الثلجِ التي قد صاغَها
طَفلٌ بيومٍ مُشمسٍ تَتشَعشَعُ
وتذوبُ لو لَمسَتْ يدايَ أديَمها
مِن حَرِّ ما بَدني به مُتولّعُ
نَهدان بلْ رُمّانتان تَرَوّتا
طِيبَ الشَرابِ فطابَ منهُ المَرضَعُ
يَتماوَجانِ على التَرائب مثلَما
ماجَ الِخضَمُّ مُدافِعاً مَن يَدفعُ
لهفي على ليلٍ أدافعُهُ بهِ
فأخوضُ في زخّارهِ أو أشرَعُ
حتى إذا ماغُصْتُ فيه واشتَفى
صَدري وما أمَلي لهُ يَتَطلّعُ
هيهاتَ لو باليتُ أمطرَتِ السَما
حَجراً على هامِ البرية يَقصَعُ
ما ذوّبَتْ شمسُ الضُحى بلعابِها
ثلجَ الُخدودِ وما أجَمّ الَمخدَعُ
والطرفُ جَثلٌ والجدائلُ مثلُهُ
والثغرُ مِن برقِ القواطِع ألَمعُ
ليلٌ تَغَطمَطَ مَوجُهُ مسكاً على
رَيّا الضُحى فَمُضَمّخٌ ومُرَدّعُ
رَتَعَ الجمالُ بوَجهِها وبعودِها
فهُما المَصيفُ لكونِهِ والَمربَعُ
هي مُنتهى الحُسنِ الذي في وصفهِ
شِعرًا يَجِفُّ بهِ اليَراعُ الُمترَعُ
ياجَنّةً أُخرِجتُ منها دونَما
ذَنبٍ فهلْ يومٌ بهِ نَتَجَمّعُ
ياآيةً في الحُسنِ لو تُليَتْ على
مَيْتٍ لَقامَ وَظلَّ منها يَخشَعُ
إني أُحبّكِ فاعلَمي لكِ مَوقعاً
في النفسِ ما وازاهُ فيها مَوقِعُ
هلْ يَرجِعَنْ دهرٌ تَولّى غابراً
عَنّا فيَجمَعُنا بيومٍ مَجمَعُ
هيهاتَ ما زمَنٌ يعودُ وإنما
يَردي بنا نحوَ المَماتِ ويُسرِعُ
فكأنما أيّامُهُ حُلُمٌ مَضى
أو بارقاتٌ في الذَواكِر لُمَّعُ
وكأنما تلكَ السُنونَ قلائِصٌ
عُودٌ هِزالٌ في الَمفازَةِ ظُلّعُ
ياليتَ شِعري والمزارُ طريقُهُ
سَهلٌ على بُعدِ السَواهِر مِهيَعُ
لكنّما أَنّى إذا هيَ لمْ تكنْ
بخَدينِ ودٍّ فالمزارُ مُمَنّعُ
ما مِبضَعٌ كصُدودِها مُتحَكّمٌ
لو أنَّ قلبًا بالصُدودِ يُبَضَّعُ
واهًا وأوّاهًا وأَوْهِ وآهِ مِن
أوصال قلبٍ بالنوى تَتقطّعُ
إنْ شِئتَ تَنظُرَ رائعاً ومُروّعًا
إنّي بها وبحُسنِها لَمُرَوّعُ
أو شِئتَ تَنظُرَ فاجعًا ومُفجّعًا
إنّي بها وبهَجرِها لَمُفَجّعُ
ماعَزّتِ الشَكوى عليها إنما
عزّتْ عليّ فلمْ تعَزَّ الأدمُعُ
وَكَفَتْ على آثارِها مُستنّةً
وَدقًا تكَفْكَفَ هامِيًا لايُقلِعُ
فاخْضَرَّ مِنها الأيهُقانُ وأورَقَتْ
رِيّاً على جرَيانِهنَّ الأفرُعُ
ولقد ذَوَتْ مِن قَبلِ ذاكَ ونالَها
يَبَسٌ وكانَت لاتَني تتَقَعقَعُ
أسِنَتْ بها دَهْراً فَغَيَّرَ لَونَها
فنَما الَخضارُ بها وَنقَّ الضُفدَعُ
أَجِنَتْ فعافَتْها يَرابيعُ البَرَى
والمرُّ يمْقُتُهُ الحليمُ الألَمعُ
فمَنِ الذي يَبكي على أطلالِها
إلّايَ أو إلّا الغُرابُ الأبقَعُ
في عُصبَةٍ هاسَتْ على أجوائِها
بالنَوْحِ تَصدَحُ غاقِ غاقِ وتَصدَعُ
فكأنّها ثُكِلَتْ بهجرِ أحِبَّةٍ
مِثلي فظلَّ فُؤادُها يَتَصَدَّعُ
لَطَمَتْ صُدورا بالخوافي وانبَرَتْ
تَرمي نِسالًا في الفضاء وتَقطَعُ
ووقَعْنَ يُحثيَن التُرابَ قوادِمًا
بقوادِمٍ ولَها مَسيرٌ يَظلَعُ
وقَرَضْنَ مِن شِعرِ الطُيورِ قصيدَةً
دَمِيَتْ لسامعِها المآقي الأربَعُ
قافيَّةً تَقفو على قافِيَّةٍ
شَجَنًا أجازَ ختامُها والمطلَعُ
للهِ دَرُّك يا غُدافُ مَنِ الذي
أنباكَ أنّي بالغرامِ مُلَوّعُ
وَمنِ الذي أنباكَ أنّهُمُ نَأوا
عنّي ومَعنى النأي أنْ لايَرجِعوا
هلْ أدَّتِ الذكرى فُؤادَكَ بالنَوى
أم أنتَ مِثلي ضائعٌ ومُضَيّعُ
فلقد شَجاني ماتقولُ وهدَّني
بَدْءٌ لحالِكَ يا غُرابُ ومرجِعُ
سنَظلُّ نبكي بالطُلول سَوِيَّةً
لو كان ينفعُنا البُكاءُ ويَنجَعُ
فاسمَعْ وَصِيَّةَ عاشقٍ خَبَرَ الهوى
إنْ كانَ يحفظُها لديكَ المسمَعُ
ما الُحبُّ إلّا ورطةٌ وتَوَرُّطٌ
قَضَضٌ يُقَضُّ بنائميهِ الَمضجَعُ
والحُبُّ داءٌ لايكونُ دواؤُهُ
إلّا لقاءاً تَشتَهيهِ الأضلُعُ
والُحبُّ لاينجو على طعَناتهِ
حتى الكَمِيُّ القُلّبيُّ الأدرَعُ
إنَّ البُكاءَ على الذين ترحَّلوا
مِنّا الضَلالةُ والخَسارُ الأفظَعُ
ياعُصبَةَ الطَيرِ التي أسْعَدتِني
بالحُزنِ إنَّ غليلَنا لا يُنقَعُ
ففَزعنَ مِن قَولي ونَفَّضْنَ العَفا
ومَسحنَ ما أندى عليهِ الَمدمَعُ
ولَرُبَّ قولٍ مُفزِعٍ كلماتُهُ
وَلَرُبَّ صَمْتٍ بالفصاحَةِ يُفزِعُ
فَسَكَتُّ حيَن سَكَتنَ واعتَلجَ الشَجَى
في الحَلقِ مُنتَظرينَ ماذا نَصنَعُ
فَعَلَتْ وما فَعَلَتْ على جَرعائِها
فِعلي وكأسٌ بِئسَ ما نَتَجَرَّعُ
سَيُقيمُ فِكري هاهُنا لكنَّما
ياصاحِ جِسمي راحلٌ ومُوَدِّعُ