غدا الرَّبعُ من دار «المريفقِ» فاصدقِ
يبابًا يبابًا لا يُجيب بمنطقِ
وأضحت قفارًا لا أنيسَ يزورها
سوى الوحشِ أو بعض الحمام المطوَّق
وقفنا عليه والركابُ كأنما
لتطوي بنا ما بين غربٍ ومشرق
وشُدّت لما لاقت من الركب والوَبا
قِسِيٌّ مع الأوتار لم يتفرَّق
ولمّا وقفنا بهْ طرحنَ دموعنا
له خُلُقًا منا غير تَخلُّق
ألا إنه أحيا وجدَّد ما بنا
وردّ لنا الأوجاع يومَ التفرُّق
ألا ليت شعري هل بدا لك منزلٌ
تؤوب إليه غادةٌ لم تَفلّق
تؤوبُ إليهِ غادةٌ أيُّ غادةٍ
تُريك من الأسنان والمبسم النقي
إذا ابتسمت أبدتْ إليك مؤشّرًا
لهُ لمعانُ البارق المتألّق
لها شنبٌ عذب المذاق معسَّلٌ
ألذّ وأشهى من سُلافٍ معتَّق
تريك بنانًا كالنجيع خضابُها
وعينًا لها نجلاءُ في متن زنبق
وخالاً وخلخالاً وساقًا ومِعصمًا
وفَرْعًا على جِيدٍ كريمٍ مطوَّق
لها فضلُ شيخٍ مُرتقٍ قمرَ السما
وإنّ له فضلاً لديَّ لمرتق
تظلُّ المطايا جائلاتٌ بأهلها
على كلِّ أرضٍ من جِمالٍ وأينق
لها خُدَدٌ من فضله وسماحةٍ
وتأخذ من إحسانه والتصدُّق
هو البحرُ غُصْ فيه إذا كان هادئًا
لتحملَ للورّاد منهُ وتستقي
هو الفاعل المرفوع بالفعل والندى
وللجود بابٌ عنه غير مغلَّق
وللفضل أبوابٌ لديه كثيرةٌ
وللحلم بابٌ واسعٌ غير ضيِّق
ولو أبصر «الأعشى» تباريحَ جودهِ
لما ذكر الأيام جدَّ «المحلِّق»
هو المجتبى من مجتبىً بعد مجتبىً
فغرِّبْ له دون الرجال وشرِّق
وعلِّقْ به قلبًا تفزْ بمحبَّةٍ
ففي حبّه نفعٌ لأهل التعلُّق
وأطلقْ عليه القول وهْو مقيَّدٌ
وقيِّدْ به الألفاظ من غير مطلق
ولا تسرفنْ في مدح من كان مسرفًا
ولا تُبعدِ الإسراف في مدحِ مُتَّق
صلاةٌ على المختار ما قال عاشقٌ
غدا الربعُ من دار المريفق فاصدقِ