يمرُّ الشتاءُ
تمرُّ النساءُ
يمرُّ الردى.
وأنا قشةٌ، تستطيرُ سُدى.
حين يمضي الشتاءُ
وتمضي النساءُ
ويمضي احتمالُ الردى.
كان بيني وبين الفصولِ اتفاقٌ.
كأنْ نتشابهَ: حيثُ التعاقُبُ،
حيثُ التحوُّلُ،
حيثُ ارتدادُ الصدى.
ثم أنّ الفصولَ تولَّتْ،
فأقعيْتُ في وحشتي، هادئاً،
كانتظارٍ ظليلْ.
أُراقبُ في البُعْدِ أُفْقاً يميلْ.
وأذكُرُ:
كان السوادُ، بعينيَّ، يغشى التخومَ
ويغشى النجومَ
ويمحو القرى.
كان يأخُذني غيلةً،
ويُهمهمُ: تَسْرَحُ فيهِ الوحوشُ
وتسرحُ فيه الجيوشُ
وكنتُ أُجاهِدُ حتى الصباحِ،
لتبزُغَ في رهبتي نجمةٌ، أدَّعي وصْلَها
كنتُ طفلاً، وكان السوادُ هباءَ الطفولةِ،
أذكُرُ:
كان الردى غلطةً،
يحتمي الناسُ فيها إلى بعضهمْ
كنتُ أكبُرُ في الوهمِ شيئاً فشيئاً
وكان الردى يترهَّلُ شيئاً فشيئاً
وحين تلوّى النسيمُ بأحشاءِ تينةِ جدّي
تخطَّفني فرحٌ غامضٌ
وسعيتُ رشيقاً،
أرى قفزتي، عثرةً، عثرةً
هبَّ طيْشي
ونامَ قريراً بظنّي: الدجى
الوطنُ
الموتُ
واهتزَّ تحت خطايَ المدى.
يمرُّ الشتاءُ
تمرُّ النساءُ
يمرُّ الردى.
وأنا قشّةٌ، تستطيرُ سُدى.
حين يمضي الشتاءُ
وتمضي النساءُ
ويمضي احتمالُ الردى.
مُذْ تطاولتُ،
وانكشفتْ رقعتي في الفضاءِ،
ارتعدتُ لمسٍّ خفيٍّ،
وجاءتْ إليَّ النساءُ،
وأكثرُ ما كنتُ أحلُمُ منهنَّ بالمحْصَناتِ،
كأنّ لأجسادهنَّ وراءَ الحصونِ نداءً
يُزيِّنُ لي سحرَ تذليلهنَّ،
وسحرَ الخطيئةِ،
ما كنتُ إلاّ التماساً خجولاً،
يُعَسْعِسُ بين التعاليمِ،
ما كنتُ إلاّ ندى الإثمِ،
إلاّ الظما
… وانهزمتُ إلى خانةِ الروحِ،
فانهزمتْ رغبتي للخداعِ،
وما كنتُ أجنحُ، حتى يُرفرفَ جُنْحُ التلهُّفِ
في خطوتي
أتعثَّرُ،
ينبجسُ الخوفُ في عثرتي
هزَّ أيّامي الكابياتِ التردُّدُ،
وانتفضتْ غفلتي
وانهزمتُ إلى خانةِ الروحِ،
حيثُ الظما واحةٌ،
حين يختلجُ الإثمُ،
يقطُرُ منه الندى.
يمرُّ الشتاءُ
تمرُّ النساءُ
يمرُّ الردى.
وأنا قشةٌ، تستطيرُ سدى.
حين يمضي الشتاءُ
وتمضي النساءُ
ويمضي احتمالُ الردى.
من أنا؟ كي ألوذَ بنفسي
ومن كنتُ؟ حتى أعاندَ،
حتى أكابدَ،
حتى أقولَ اهتديتُ،
إذن، ما الهدى؟
من أنا؟ كي أرى نقطةً لا تراوغُ،
في مَهْمَهِ الكونِ،
حين تدورُ الدوائرُ بي،
هل أنا جبلٌ؟
من أنا؟ حين يأتي الوشاةُ أو الأصدقاءُ،
الندامى أو الحاقِدون،
لكي أتبيَّنَ: تلك الدسيسةُ،
هذا هو الحبّ.
كيف أفرّقُ؟ كيف أوحِّدُ؟ كيف أُنظِّمُ خوفي؟
تَرَدَّيْتُ،
من كنتُ؟ حتى أعاندَ،
حتى أكابدَ،
لكنَّني، كلّما اسْتَصْرَختْني المتاهاتُ،
أصْرُخُ،
أسْتفتحُ الهوّةَ النائمهْ.
كلَّما غافلتني غمائمُ هائمةٌ،
قلتُ: هذا شبيهي يُغافلُني
ثم أَسْتَرِقُ الفرصةَ الغائمهْ.
بَاسطاً للرجاءِ يداً،
للهباءِ يداً
أتحاملُ، كي لا يُقالَ انطوى أو تهدَّمَ،
حتى يُقالَ — إذا ما قضيْتُ —
لقد ظلَّ مستمسِكاً
من يزيِّنُ لي من خيوطِ التشبُّثِ،
نافذةً، أو فضاءً،
كأني أرى وثبتي حين أكبو
كأني أحاربُ مستسلماً
أو، كأنّيَ لا أُمسِكُ الآن شيئاً
يدورُ بيَ العمرُ حيث تدورُ الدوائرُ،
ها إنني باسطٌ للرجاءِ يداً
للهباءِ يدا.
يمرُّ الشتاءُ
تمرُّ النساءُ
يمرُّ الردى.
وأنا قشةٌ، تستطيرُ سُدى.
حين يمضي الشتاءُ
وتمضي النساءُ
ويمضي احتمالُ الردى.