بانت حسينةُ وائتمَّتْ بمَنْ بانا
واستحدثت لكَ بعدَ الوصلِ هِجْرانا
وما حُسَيْنَةُ إذْ قامَتْ تُوَدِّعُنا
للبَيْنِ واعتَقَدَتْ شَذْرًا ومُرجانا
إلّا مَهاةُ صَرِيمٍ حُرّةٌ خَذَلَتْ
مِنْ وَحْشِ أَعْفَرَ أوْ مِن وَحشِ نيّانا
أَوْ ظَبْيَةٌ من ظِباءِ الحُوَّةِ ابْتَقَلَتْ
مذانبًا فجَّرَتْ نَبْتًا وحُجرانا
مجّ الربيعُ بها الوسميَ ريقتَهُ
فأَنْبَتَتْ نَفَلًا رُؤدًا وحَوْذانا
تحنو إلى أكحلِ العينينِ رانَ به
نومُ النهارِ فما يَنْفَكُّ وَسْنانا
يأبى إذا طمعتْ أنْ يستنيعَ لها
إلّا مخالفةً عنها وخِذْلَانا
بِكْرٌ تُرَبِّبُهُ آثار مُنْبَعِقٍ
ترى به جُفَنًا زُرْقًا وغُدْرانا
إذا هي اطّلَعَتْ مِن روضةٍ هَبَطَتْ
أخرى يظلُّ بها العَيْسُوبُ حَيْرانا
ولن تُقَلَّبَ في أرضٍ تُلِمُّ بها
إلّا وَجَدْتَ بها للهِ ضِيفانا
مِن خَلْقِهِ فهو يكسوهُمْ و يَرْزقُهُم
يومًا ويومًا ولَنْ يَسْأَلْنَ أَثمانا
لهنّ ربٌّ حَفيٌّ لا يضيعُ ولا
يَخْفَى عليه خَفِيٌّ حيثُ ما كانا
ذو قُدْرَةٍ ليسَ طولُ الدهرِ زائِدَهُ
مِنْهُنَّ بُعْدًا ولا عَنْهُنَّ غفلانا
إنّ الوليدَ أميرَ المؤمنينَ قَضَى
أَمْرًا يُبَلِّغُهُ الأَدْنَوْنَ أقصانا
قَضِيّةً عَصَمَ اللهُ العبادَ بها
فأصبحوا في كتابِ اللهِ إخوانا
بَعْدَ الشقاقِ وأضغانٍ مبيّنَةٍ
ومِيتةٍ كانَ فيها حِينُ مَنْ حانا
فأَصْبَحَ الأمرُ بعدَ الله قادَتُهُ
بنو الأُلىَ غَضِبُوا مِنْ قَتْلِ عُثمانا
الآمِرونَ بتقوى اللهِ أُمَّتَهُم
والكائنونَ على المعروفِ أَعْوَانا
والقائلونَ أَتَيْنا كُلَّ مَكْرُمَةٍ
قُدّامَنا فَحَصُوا عنها لأُخْرانا
عندَ الشَّدِيدَةِ حَيٌّ يستقيدُ لهم
مَنْ يشربُ الماءَ مِن راضٍ وغَضْبانا
لولا الإلهُ و أَهْلُ الأردن اقتسمت
نارُ الجماعةِ يومَ المرجِ نِيرانا
كانوا زُوارًا لأهل الشامِ قَدْ عَلِمُوا
لمَّا رَأَوْا فيهم جَوْرًا وأَضْغانا
تواعَدُوا مَوْعِدًا حتى إذا اجْتَمَعُوا
سارُوا جَمِيعًا وقالوا: اللهُ مولانا
فلم يكونوا غَداةَ الزَّحْفِ أَكْثَرَهُم
في الصفِّ صَفًا ولا في الخيلِ فُرسانا
ولا بصيرةُ أَمْرٍ يهتدون به
كالصُّبْحِ يَعْرِفُهُ مَنْ كانَ يَقْظانا
غداةَ يَدعونَ والأبصارُ خاشعةٌ
يا رَبَّنا وَلِيَنَ الأَمرَ أَتقانا
فبيَّضَ اللهُ يومَ المرجِ أَوْجُهَهُمْ
بنَصْرِهِ و بسيفِ الله مَرْوانا
وبابنِهِ بَعْدَهْ عبدالمليكِ فَقَدْ
زادوا ذوي عَقْلنا شُكْرًا وإيمانا
ثُمَّ اصْطَفَى اللهُ للاسلامِ بَعْدَهُما
من أهلِ بَيْتِهِما نُورًا وبُرهانا
رأى الوليدُ لها أهلًا فَمَلَّكَهُ
واختارَ منا الذي يَرْضى وأَرضانا
فالحمدُ للهِ إذْ وَلّى خِلافَتَنا
وأَمْرَنا خَيْرَنا دِينًا وأَقْوانا
مُرَّ العداوةِ يَشْقَى الكاشحونَ بِهِ
حُلْوًا إذا لم تَرِبْهُ رِيبةٌ لانا
نَحْنُ الرَّعِيَّةُ و الرحمنُ يَحْفَظُنا
و أَنْتَ في الأرضِ بَعْدَ اللهِ تَرْعانا
قَضَى عليهم له في الحقِّ قَدْ عَلِمُوا
جَهْدَ النصيحةِ إسْرارًا وإعْلانا
يَرَوْنَ طاعَتَهُ للهِ رَبِّهم
رِضىً وعصيانَهُ للهِ عِصْيانا
فأَنْتَ غَيْثٌ بإذْنِ اللهِ أَرْسَلَهُ
للمسلمينَ حَيًا والأرضِ عُمْرانا
فلا تَرَى نائِلًا يَجْرِي كنائِلِهِ
ولا كبُنْيانِهِ في الأَرضِ بُنيانا
بَنَى مساجِدَ للإسلامِ جامِعَةً
ولم يَدَع بَيْتَ إشراكٍ كما كانا
كَنيسَةً حَدَرَتْ عادٌ حِجارَتَها
من الجبالِ التي شَرْقِيَّ لُبْنانا
من كلِّ أَبْهَمَ يكسُو الثلجُ ذِرْوَتَهُ
حتى فشا وبدا في الصيفِ عُرْيانا
صَعْبُ الشواهِقِ مُغْبَرٌّ بناكِبِهِ
تَرَى بهِ المُعْفَراتِ العُصْمَ أَخْدانا
صَعْبُ الشواهِقِ مُغْبَرٌّ بناكِبِهِ
تَرَى بهِ المُعْفَراتِ العُصْمَ أُحْدانا
به كُلُومُ صوافيرٍ مُذَكَّرَةٍ
تَرُنُّ منه ضَوَاحِي الصَّخْر إرْنانا
بَنَوا قَنَاطِرَهُ حتى إذا جَعَلُوا
لَهُ من الجَنْدَلِ العادِيّ أَرْكانا
فأَحْسَنَ الصّنْعَ بنَّاءوكَ وارتفعوا
فوقَ الذينَ تَغَنَّوْا فيه أَزْمانا
كَسَوْهُ مِن عَمَلِ الصّنّاعِ مُلْتَهِقًا
يَكادُ يختَطِفُ الأَبصارَ عِقْيانا
كأَنَهُنَّ قِياسُ الصَّيفِ إذْ طَرَدَتْ
كَنَهْوَرًا فَزَحَتْهُ الريحُ رَيَّانا
إذا حَدَتْ قُزَحٌ منه سَحابَتَها
رَأَيْتَ منهُ مَع الشّؤْبوبِ أَلْوانا
وكانَ أَمْرُكَ في أهلِ الطوانَةِ مِنْ
نصرِ الذي فَوْقَنا واللهُ أعطانا
أَمْرًا شَدَدْتَ بإذْنِ اللهِ عُقْدَتَهُ
فزادَ في دِينِنا خَيْرًا ودُنيانا
وكان بُزَّةُ ما أُعْطِيتَ من حَسَنٍ
نَصْرًا عَزِيزًا وتَثْبِيتًا وبُرهانا
نُعْمَى مِن اللهِ زادَ المسلمينَ بها
تُقىً وكانَتْ بحمدِ اللهِ عِرفانا