سَرَتْ في بطاحِ البيدِ صيحةُ صائحِ
فماجت بمسراها بطونُ الأباطحِ
ترامت فدوَّت فاستطال بها المدى
وقد طرحتها البيدُ أقصى المطارح
فمرَّت على الركب الحيارى فأمسكوا
بِحُمْرِ المطايا بين غادٍ ورائح
وألقوا بآذانٍ إليها طليحةٍ
وقد صُعقوا فوق الركاب الطلائح
تراهم سكارى في الفيافي وما مشت
حُمَيَّا كؤوسٍ في خلال الجوانح
مضوا يسألون الريحَ عن صيحة الفَلا
فما الصوتُ في عصف الرياح ببارح
ينادي مُناديهم هلِ الأرضُ زُلْزِلتْ؟
فأجفلتِ الآرام ملءَ المسارح
أمِ الملأُ الأعلى تدلَّت نجومه
فكلُّ سبيلٍ في الدجى غير واضح؟
أصيحةُ إنسٍ في الجبال دويُّها
أم الجنّ صاحت في رحاب الصحاصح؟
فلا الصوتُ صوتُ الإنس في كل هضبةٍ
ولا الحِسُّ حِسّ الجنّ فوق الصفائح
ولما ألحَّ اليأسُ في الركب أدلجوا
يطيحون في الظَّلماء كل المطايح
ومال بهم غُمْضُ الليالي من الوَنَى
وما النومُ في جُنْحِ الليالي بجانح
فناجى خليلٌ في الشجون خليله
مضى الليلُ في نجوى الشجون الفوادح
فبينا رجالُ الركب في غمرة السُّرى
وأجفانهم تهفو إلى أي سانح
إذِ الفجرُ في البيداء قد زحزح الدجى
وهبَّ نسيم الفجر دون اللوافح
ولاح خيالٌ يقطر الأنسَ طيفُه
فدبَّ دبيبَ الروح في كل طائح
ملامحُ نورٍ في العراء رفيفها
ومطلع وحيٍ من رفيف الملامح
تصيح بهم إني النبي محمدٌ
بُعِثتُ ولم أُبعَثْ إليكم بفادح
حملت الهدى أجلو بضوء سراجه
عن العُرْب ما أعيا ضياء المصابح
أُضمِّد من جَرْحَى السيوفِ جروحَهم
وأمسح ما ناءت به كفُّ ماسح
تعالَوْا، تعالَوْا أجمعِ الشملَ بينكم
فلا كاشحٌ يعدو على حوض كاشح
تسيح دماءُ العُرب من كل نخوةٍ
لقد مُلئت منها صفاح المسايح
أروح على جَهْدٍ من الهمِّ جاهدٍ
وأغدو على بَرْحٍ من الحزن بارح
أما ضجّتِ الأخلاق من ظلم أهلها
أما رزحت في الظلم بين الروازح
فما نَفْرةٌ تُلْوي بأعناق رهطكم
وما وحشةٌ تُخْني على كل زائح؟
فأين قلوبٌ كالغصون التفافها؟
إذا سامحت غالت بروح التسامح