سهدت وأوصاني جميل سهادي
فأهرقت في النسيان كأس رقادي
وسامرت في جفن السهاد سرائرا
لطافا كذكرى من عهود وداد
ونادمت وحي الفنّ أحسو رحيقه
وأحسّو وقلبي في الجوانح صادي
إذا رمت نوما قلقل الشوق مرقدي
وهزّت بنات الذكريات وسادي
وهازجني من أعين اللّيل هاتف
من السحر في عينيه موج سواد
له شوق مهجور، وفتنه هاجر
وأسرار حيّ في سكون جماد
له تارة طبع البخيل... وتارة
له خلق مطواع وطبع جواد
تدور عليه الشهب وسنى كأنّها
بقيّة جمر في غصون رماد
لك الله يا بن الشعر كم تعصر الدجى
أغاريد عرس أو نحيب حداد
تنوح على الأوتار حينا وتارة
تغنّي وحينا تشتكي وتنادي
كأنّك في ظلّ السكينه جدول
يغنّي لواد أو ينوح لوادي
هو الشعر.. لي في الشعر دنيا حدودها
وراء التمنّي خلف كلّ بعاد
ألا فلتضق عنّي البلاد فلم يضق
طموحي وإن ضاقت رحاب بلادي
ولا ضاق صدري بالهموم لأنّها
بنات فؤاد فيه ألف فؤدا
ولا قهرت نفسي الخطوب وكم غدت
تراوحني أهوالها وتغادي
قطعت طريق المجد والصبر وحده
رفيقي، ومائي في الطريق وزادي
وما زلت أمشي الدرب والدرب كلّه
مسارب حيّات وكيد أعادي
ولي في ضميري ألف دنيا من المنى
وفجر من الذكرى وروضة شادي
ولي من لهيب الشوق في حيرة السرى
دليل إلى الشأو البعيد وحادي
هو الصبر زادي في المسير لغايتي
وإن عدت عنها فهو زاد معادي
ولا: لم أعد عن غايتي؛ لم أعد ولم
يكفكف عناد العاصفات عنادي
فجوري عليّ يا حياة أو ارفقي
فلن أنثني عن وجهتي ومرادي
فإنّ الرزايا نضج روحي وإنّها
غذاء لتاريخي ووري زنادي
سأمضي ولو لاقيت في كلّ خطوة
حسام " يزيد " أو وعيد " زياد "
ألا عكذا أمضي وأمضي ومسلكي
رؤوس شياطين وشوك قتاد
ولو أخّرت رجلي خطاها قطعتها
وألقيت في كفّ الرياح قيادي
فلا مهجتي منّي إذا راعها الشقا
ولا الرأس منّي إن حنته عوادي
ولا الروح منّي إن تباكت وإن شكا
فؤادي أساه فهو ليس فؤادي
هو العمر ميدان الصراع وهل ترى
فتى شقّ ميدانا بغير جهاد؟
أعذر الظلم وحمّلنا الملاما
نحن أرضعناه في المهد احتراما
نحن دلّلناه طفلا في الصبا
وحملناه إلى العرش غلاما
وبنينا بدمانا عرشه
فانثنى يهدمنا حين تسامى
وغرسنا عمره في دمنا
فجنيناه سجونا وحماما
لا تلم قادتنا إن ظلموا
ولم الشعب الذي أعطى الزماما
كيف يرعى الغنم الذئب الذي
ينهش اللّحم ويمتصّ العظاما
قد يخاف الذئب لو لم يلق من
نلبه كلّ قطيع يتحامى
ويعفّ الظالم الجلّاد لو
لم تقلّده ضحاياه الحساما
لا تلم دولتنا إن أشبعت
شرّه المخمور من جوع اليتامى
نحن نسقيها دمانا خمرة
ونغنّيها فتزداد أواما
ونهنّي مستبدا، زاده
جثث القتلى وأكباد الأيامى
كيف تصحو دولة خمرتها
من دماء الشعب والشعب الندامى؟
آه منّا آه! ما أجهلنا؟!
بعضنا يعمى وبعض يتعامى
نأكل الجوع ونستسقي الظما
وننادي " يحفظ الله الإماما "
سل ضحايا الظلم تخبر أنّنا
وطن هدهده الجهل فناما
دولة " الأجواخ " لا تحنو ولا
تعرف العدل ولا ترعى الذماما
تأكل الشعب ولا يسري إلى
مقلتيها طيفه العاني لماما
وهو يسقيها ويظمى حولها
ويغذّيها ولم يملك طعاما
تشرب الدمع فيظميها فهل
ترتوي؟ كلّا: ولم تشبع أثاما
عقلها حول يديها فاتح
فمه يلتقم الشعب التقاما
يا زفير الشعب: حرّق دولة
تحتسي من جرحك القاني مداما
لا تقل: قد سئمت إجرامها
من رأى الحيّات قد صارت حماما؟
أنت بانيها فجرّب هدمها
هدم ما شيّدته أدنى مراما
لا تقل فيها قوى الموت وقل:
ضعفنا صوّرها موتا زؤاما
سوف تدري دولة الظلم غدا
حين يصحو الشعب من أقوى انتقاما
سوف تدري لمن النصر إذا
أيقظ البعث العفاريت النياما
إنّ خلف اللّيل فجرا نائما
وغدا يصحو فيجتاح الظلاما
وغدا تخضرّ أرضي، وترى
في مكان الشوك وردا وخزامى