تطاول لَيلي بعد لَيلى بثهمد
وأحرقَ طولُ الهجرِ قلبي وأكبدي
ولما انتهى صبري وعزَّ تجلدي
سرى طيفُ ليلى واطمأنَّ بمرقدي
فما بكَ يا طيفَ الخيالِ لكَ الهنا
وأسراكَ وهناً منْ هناكَ إلى هنا
تذكرني عهداً تقادم بيننا
فبتُّ بليلٍ طيبٍ مثمرِ الجنى
لقدْ فرقَ الهجرانُ شملاً تجمعا
وهيجَّ أشجانَ النفوسِ وأوجعا
وفتتَ أكبادَ القلوبِ وقطعا
رعى اللهُ أيامَ الوصالِ ولا رعى
أما والهوى العذريِّ إنْ بعدوا فما
تغيرتُ عنْ حفظِ الودادِ وإنما
بليتُ بمنْ أنجدتُ وأتهما
يقولونَ لي سلواً وصبراً عنِ الحمى
لعمركَ ضاقتْ بي الجهاتُ وأظلمتْ
ولمْ أدرِ عنْ ذاتِ اللمى أينَ يممتْ
وإني إذا ورقُ الحمامِ ترنمتٍ
ذكرتُ خياماً بالأباطحِ قسمتْ
ترى تجمعُ الأيامُ بعدَ شتاتها
مطافلَ غزلانِ الحمى وحماتها
وتضربُ خدرُ الحسنِ في عرَصاتها
وفي الخدرِ بنتُ العشرِ في لحظاتها
بنفسي فتاةُ أغلقَ البينُ رهنها
يذكرني غصنَ الشبيبةِ غصنها
ولمْ أدرِ ما أثنى عليها لأنها
كلؤلؤةِ الغواصِ يجمعُ حسنها
خليليَّ دعْ نفسي تموتُ بحزنها
ورددْ أحاديثَ الفريقِ وثنها
وإنْ خطرتْ في الشعرِ ليلى فغنها
لقد فضلتْ كلَّ الحسانِ بحسنها
كريمُ السجايا ماجدٌ طيبُ الثنا
إذ سئلَ الإحسانَ جادَ فأحسنا
وإنْ لمْ تجدْ مزنُ الغمامةِ أرضنا
فيحيى غمامُ الخيرِ يمطرُ بالغنى
حسا الراحَ منْ خمرِ المكارمِ وانتشى
وشيدَّ بيتاً للعوارفِ مذْ نشا
يصرفهُ فعلُ المروءةِ حيثُ شا
ومنْ مثلُ يحيى وهو أفضلُ منْ مشى
فتى عمَّتِ الدنيا عواطفُ عطفهِ
وأمطرَ منْ فيها غمائمُ لطفهِ
وعطرَ أفقَ الأرضِ منْ عرفِ عرفهِ
وإنَّ عمادَ الدينِ في بطنِ كفهِ
فللهِ منْ دينُ السماحةِ دينهُ
يجودُ إذا ما القطرُ ضنَّ ضنينهُ
ويلقاكَ ملَّ العينِ طلقاً جبينهُ
تدرُّب أرزاقِ المفاةِ يمينهُ
فيا ظامئ الآمالِ ليلكَ والسرى
وزرْ بحرَ جودٍ مخصبِ السوحِ مخضرا
أتظمأ وذا يحيى بنُ أحمدَ في الذرى
شريفٌ منيفٌ طالَ مجداً ومفخرا
يسركَ إنْ أوما إلى الخطِّ كاتباً
وإنْ قرأ القرآنَ أبدى عجائبا
يغادرُ أكبادَ القلوبِ ذوائباً
ويصدعُ بالتبريزِ إنْ قامََ خاطباً
فتى جدهُ البدرُ الأمينُ المطهرُ
وأعلى معاليهِ البتولُ وحيدرُ
وما هو إلا بالمحامدِ يذكرُ
أديبُ أريبٌ فيصلٌ متبحرٌ
قطعتُ حبالَ لفقرِ حينَ وصلتهُ
وأدركتُ منهُ كلًَّ شيءٍ أملتهُ
فللهِ منْ يعلو على الشعرِ نعتهُ
يلذُ مديحي فيهِ مهما مدحتهُ
جمعتُ معاني المدحِ تاجاً لأجلهِ
ونظمتهُ عقداً يليقُ بمثلهِ
وأنزلتهُ في دارهِ ومحلهُ
وما منْ يقولُ الشعرَ في غيرِ أهلهِ
أمولايَ صنى عنْ زمانٍ تبدَّلاَ
وضعضعني حملُ الذنوبِ وأثقلا
ولم ألقَ غوثاً أستغيثُ بهِ بلا
وصلتكَ يا فردَ المكارمِ والعلى
جعلتُ القوافي نحوَ جودكَم نهجا
لعلىَ ألقى منْ أذى الدهرِ مخرجا
ولي فيكَ يا بدرُ الدجى أحسنُ الرجا
فأنتَ ثمالُ الخيرِ والخيرُ يرتجى
مدحتكَ يا ذا الفضلِ والمفخرِ السنى
بمنْ غيركمْ ألجأ إذا الضرُّ مسني
وهلْ يطلبُ الإحسانُ منْ غيرِ محسنٍ
فرشْ حسنَ ظني بالعوارفِ واكسني
بحقكَ يا مولى على لهُ الولي
أجرني عذاباً رحمة وتفضلا
حنانيكَ يا منْ جودهُ ملأَ الولا
بقيتَ لأهلِ الأرضِ قصداً وموئلاَ
ومدتْ بكَ النعمى غمائمُ جودها
مظلة في غورها ونجودها
ومدتْ لأهلِ الفضلِ شمسُ سعودها
ولا زلتَ في الدنيا مناخَ وفودها