هل سمعتَ الصرخات؟
تلك التي تعلو .. وتشقُّ الهواءَ
مثلَ قلبٍ أثقلتهُ الهمومُ
حتى تحطّمَ من يأسٍ
أرأيتَ تلكُم اليدينِ.. تتشابكانِ في قُنوطٍ ،
والرأسَ الواهنَ الذليل
ونظرةَ الخوفِ والأسى
وارتعاش الجسدِ القصيم ؟
أرأيتَ العينينِ الضارعتين
تقطُران بالأنينِ
كأن عصفاً من كروبٍ
يكتسحُ العقلَ الحزين ؟
هيَ أمٌّ .. شلّها الخوفُ ، وعراها الشحوبُ
وصغيرُها الراجفُ
عبثاً يخبّئُ الجسدَ النحيل
في طيّات ثوبها المهلهل
لم يعُد ملكَها ..
قد حملته تسعاً .. وتلَوَّت في المخاض
وسرى في عروقه دمُها
لكنه .. ليسَ ابنها!
لم يعد ملكها..
فالأيادي الضاريات .. ستمزِّقُ عمّا قريب
آخرَ إكليلٍ من الحبّ
يشدُّ قلبها الهشيم.
حبُّهُ كان ضوءً من حُبور
يضحكُ في دربها
ونبعاً طريّاً دافقاً
في فيافي عمرِها الشقيّ
أصغرُ كلماتِه .. نغماتٌ عِذابٌ
من لحنٍ يلفُّ قلبَها.
حياتهما نهرانِ ممتزجان.
آهٍ أيها الربّ !.. ألِزامٌ أن يفترقا ؟
ها هم ينزعونَهُ .. من ذراعيها المطوِّقين
وعناقِها المغرَمِ الأخير.
آهٍ ! عيناها لن يحدّقا بعدُ
في وجههِ الواجمِ الحزين.
لا تعجب إذن .. من هذه الصرخات المريرة
إذ تقلقُ الهواءَ الذي يصغي.
هي أمٌّ .. وقلبُها
يتحطَّمُ من يأس !