في رثاء عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ
تردَّ رداء الصبر في حادث الأمرِ
وفوّضْ بتسليمٍ مع الحمد والشكرِ
فنعم احتساب المرء في حال رُزئِهِ
ونعم ادِّراع الصبر في العسر واليسر
لقد ساءنا ما جاءنا من مبلّغٍ
مشيعٍ بها يهدي إلى المسمع الوقر
فصِخْتُ له سمعًا وألححت سائلاً
بماذا ينادي والفؤاد على جمر
فقيل ينادي أخطأ الله شرَّه
فإن إمام الدين أوفى على العمر
فأزعج من ألبابنا كل ساكنٍ
وحرَّك أشجانًا بها عِيل من صبر
وأيقنت أن الأرض مادت بأهلها
وأن الفضا مما بنا صار كالشّبر
لقد ظل أهل الحق من بعد موته
حيارى كأيتامٍ أصيبوا على صغر
مضى عابد الرحمن نجل مُحَمَّدٍ
مجدد دين الله عن وصمة الكفر
فلا يبعدَنْك الله من شيخ طاعةٍ
بعيدٍ عن الأدناس ناءٍ عن الكِبْر
قويٍّ بأمر الله شهمٍ مهذبٍ
أشدّ لدى هتك الحدود من النهر
تجرَّد للتدريس والحفظ دائبًا
وأسقى غِراس العلم في سائر العمر
ففي الفقه والتوحيد بحرٌ غطمطمٌ
وفي بحثه التوحيد نادرة العصر
وفي النحو والتأصيل قد صار آيةً
وكل فنون العلم أربى على البحر
يجيب على التقوى جوابًا مسدّدًا
يزيح به الإِشكال عن مرتع الفكر
فيُضحي عويص المشكلات موضِّحًا
بتحقيق أبحاثٍ أدقّ من الشَّعر
فسَلْ عنه في التوحيد تهذيبه الذي
غدا بين تيك الكتب كالكوكب الدرّي
وفي رده تشبيه كل مشبَّهٍ
من الملحدين المعتدين أُولي الغدر
إذا مبطِلٌ يأتي بتزويق شبهةٍ
جلاها كما يُجلَى دجى الليل بالفجر
ففي كل إقليمٍ له الردّ فانتهت
تصانيفه في كل مصرٍ وفي قصْر
فنرجو إله العالمين يثيبنا
ويجبر منا ما تصدّع من كسر
ويسكنُهم جنات عدنٍ مع الأُلى
سعوا في بيان الدين في العسر واليسر
وما مات من كان المبجَّل شيخنا
خليفته عبداللطيف بن ذي القدْر
سما رتبةً في العلم لم يتصل بها
سواه ولم يبلغ سناها ذوو الصدر
فكانوا أحقَّ الناس في قول من مضى
إذا ما انتدى للقوم في محفل الذكر
إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ
مصيبٍ ولم يثنِ اللسان على هجر
وأقلامه تجري على متن طرسه
فتشفي أوام الصدر عن مغلق الحصر
وإنْ طالبٌ يأتيه يبغي إفادةً
أزاح له الإشكال بالسَّبْر والخبْر
وأنهله من بحره الجمّ نهلةً
فراح بها يدري وقد كان لا يدري
فلا زال يولي الطالبين من الهدى
ويمنح أهل العلم من سَيبه الغمر
يجدّد منهاج الأئمة جدّدوا
لدين الهدى فانضاح في البرّ والبحر
همُ القوم أحيَوا سنّة الدين واقتفوا
منار طريق الحق بالسرِّ والجهر
فأحيوا سبيل الرشد بعد اندراسه
وقد بذلوا فيه النفيس من العمر
فأصبح منهاجًا قويمًا لسالكٍ
وبعد الخفا أضحى يضاهي سنا البدر
أولئك أشياخي وقومي وسادتي
وهم قدوتي حتى أوسَّدَ في قبري
لئن أصبحوا قد ضمُّهُمُ بطن ملحدٍ
وماتوا كرامًا موت ذي نجدةٍ حرّ
فقد خلّفوا فينا تقارير ديننا
ولم يغفلوا منها أقل من الظفر
تغمَّدهم ربُّ البرايا بفضله
وأسكنهم من جنة الخلد في القصر
وأحيا إله العالمين منارهم
بسلطاننا الميمون بالمجد والفخر
إمام الهدى عبد الإله بن فيصلٍ
سمام العدا نجل الغطارفة الغرّ
كثير الأيادي في البوادي وحضْرهم
مبيد الأعادي بالمهنّدة البُتْر
تولّى أمور الخلق حقًا فساسهم
سياسةَ عدلٍ غير جورٍ ولا عسر
يبيتُ إذا نام الهِدان بهمَّةٍ
يدبرها بالحزم والعزم والفكر
وألبسه الرحمن جلباب هيبةٍ
كما ألبس الفاروق
بالبأس والصبر