وقفتْ بين لوعةٍ وبكاءِ
ترقب الشمس في عنانِ السماءِ
غادةٌ تملأ العيون بهاءً
زانها الله بالسنا والسناء
وعلى وجهها الحزين اضطرابٌ
كاضطراب الظمآن في البيداء
نظرتْ شمسَ «لندنٍ» وهي تمشي
بدلالٍ في القبَّة الزرقاء
فَعَلا وجهَها الجميلَ قنوطٌ
كقنوط الغريق في الدأماء
ثم نادت بذلةٍ وانكسارٍ
أيها الشمسُ فيك كل رجائي
خفِّفي السير في الفضاء وخلِّي النْ
نُور يُردي كتائب الظلماء
إن لي في السجون بدرًا حبيبًا
صادقَ العهد والوفا والولاء
سجنوه ظلمًا ولم يرحموه
ولَكَم في السجون من أبرياء
ظلماتُ السجون يا شمسُ أضحتْ
مدفنَ المخلصين والأتقياء
هكذا تحكم القوانين في الأر
ضِ فيلقاها العبيد بالإصغاء
ثم أنَّتْ أنَّةَ الهزبر وصاحت
لن يُدقَّ الناقوسُ في ذا المساء
أيها الخادمُ الشفيقُ رويدًا
أنت ربُّ المعروف دون مِراء
إن بدري في السجن يلقى رَداهُ
إن قرعتَ الناقوس عند المساء
هكذا تأخذ الشريعة مجْرا
ها، وتقضي عليه شرَّ القضاء
فإذا كنتَ في زمانك صبّاً
فترأّفْ على فتى الهيجاء
أيها الغادة التي تبهر البد
رَ، وتُزري بغيرها من نساء
عشتُ ما عشتُ مخلصًا وأمينًا
لم أخن في السرّاء والضرّاء
يذهب المرء للفناء ويبقى
بعده في الوجود حسنُ الثناء
واجبي سنّتي ومجدي وفخري
سأدقُّ الناقوس عند المساء
سمعتْ ذلك الحديثَ فسالت
عبراتُ المليحة الحسناء
وتراءى لها السجين قتيلاً
قائمًا بين أرضها والسماء
فتمشَّى القنوطُ فيها كما
تتمشّى الأدواء في الأعضاء
ودنت ساعةُ القضاء فمادت
راسياتُ الجبال وسطَ العراء
وتولّى على الفتاة سكونٌ
كسكون الأجسام بعد الفناء
فارتقت سلّم الكنيسة قفزًا
مثل قفز الظباء في الصحراء
ولسانُ الناقوس قد أمسكتْه
بيديها في القبّة العلياء
خطرت واللسانُ في قبضتيها
مثلُ غصنٍ يلوح وسط الهواء
حين دَقَّ الناقوسَ شيخٌ أصمٌّ
قد برته يد الضنى والبلاءُ
منظرٌ لم يكن له من مثيلٍ
منذ سوّى ربّي بني حوّاء
مثّلتْهُ فتاة «لندنَ» يومًا
فتغنّى الداني بها والنائي
غادرتْ قبّة الكنيسة سكرى
من دماء الجروح لا الصهباء
و«كرمويلَ» شاهدت من بعيدٍ
فجَرتْ نحوه بلا إبطاء
اعفُ عنه مولايَ وارثِ لحالي
يا مُعزِّي الباكين والبؤساء
أيها الغادةُ اذهبي بسلامٍ
لن يُدقَّ الناقوس في ذا المساء