خُذني إليك فلن أعيشَ طويلًا
هذي الحياةُ أقلُّ مما قِيلا
لم يدْعُني الداعي إليها مرةً
ليُشيرَ قلبي نحْوها ويَميلا
ليست مجازفةً أُراودُ صبْرَها
فأنا أرى ظلّي عليّ ثقيلًا
لا وقتَ بين النبضتينِ وعابثٌ
من عاشَ يمْلأُ نقْصَها تأويلا
ما هذه الأفلاكُ إلا مشهدٌ
في قصةٍ هِيَ أعقدٌ تفصيلًا
لا الراحلون قد انتهت أدوارُهم
فيها، ولا أحيا الوقوفُ طُلُولا
ليت الليالي إذْ سَرَتْ بك خِلْسةً
تَرَكَتْ وراءك لي إليكَ سبيلًا
يا سيدي يا سيدَ الساداتِ ما
أشقى الذي لم يتخذْكَ خليلًا
ليس الحجازُ كما تركتَ، ولم يزل
وجهُ المدينةِ شاحبًا مذهولًا
شاخت بأصلابِ الرجالِ نطافُها
وارتدّ كُلٌّ عن هواه مَلُولا
وترَدّتِ الكلماتُ من شُرُفاتِها
وازداد صمتُ المُبصرين نُحُولا
واستوحشَ المحرابُ من زُوّارِهِ
وكأنّ شيئًا لم يكُنْ مأهولًا
ما أيتمَ الثقلينِ بعدك والندى
والجِدَّ والصمصامةَ المصقولا
من بعدك اختلفَ الزمانُ ولو رجَعْتَ
وشئْتَ أرْجَعْتَ الرؤوسَ ذُيُولا
يا معصمَ التاريخِ لولا أنّهُ
في راحتيكَ مُذَلّلٌ تذليلًا
كُلُّ العصورِ كأنها لك موكبٌ
حتى قدمتَ فبُدلت تبديلًا
إنّ القبائلَ لو جُمعنَ قبيلةً
ليسوا لظِلّكَ في الوجودِ قبيلًا
ما كُنتَ مستثنًى وكيف يصحُّ
الاستثناءُ والباقي يكونُ قليلًا!
أنت الذي مُذْ قلتَ: لستُ بقارئٍ
قرأ الزمانُ على يديك فصولا
فأجَزْتَ بعضًا منه غيرَ مُذمّمٍ
وتَرَكْتَ بعضًا فاستحالَ رذيلًا
إنْ شقّ في الأرضِ الأكارمُ زمزمًا
فلقد شَقَقْتَ فُراتَها والنيلا
أو ردّدَ الشعراءُ قولةَ قائلٍ
فالصمتُ منك صداهُ أعظمُ قِيلا
مَنْ علّمَ الأسماءَ آدمَ لم يكُنْ
ليُعِدَّ للمعنى سواك كفيلًا
يا مُعطيَ الأشياءِ معناها كما
لو كُنْتَ تملكُ غيرَهُنّ بديلًا
كالشمسِ طاشت في السماءِ شظيّةً
لو أنها لم تتخذْكَ دَليلا
لو لم تُنِلْها من حيائك جذوةً
ما أصبحَ الظلُّ الظليلُ ظليلًا
ومنابتُ الليلِ العريضِ تطاوَلَتْ
لتراك تملأُ نفْسَها ترتيلًا
صوتٌ أجلُّ بأنْ يكونَ له صدًى
خَرَقَ السماءَ وخالطَ التنزيلا
يا ساقيًا دونَ الخلائقِ سدرةً
شَهِدَتْ بأنّ يَدَ النبيّ الطُوْلى
لولا انتقاؤك من خِيَارِ الأنبيا
لم يُوْهَبِ إبراهيمُ إسماعيلا
ولو السماءُ أشَحْتَ عن أشياخِها
ما كان جبرائيلُ جبرائيلا
علموا بقَدْرِكَ أجمعين فلم تزلْ
آثارُ خَطْوِكَ في السماءِ الأولى
لولا إرادةُ ذي الجلالِ لَطَأْطَأَتْ
بك واستعدّ عُلُوُّها ليَزولا
ما ازددتَ قَدْرًا حين جاوزتَ العُلى
فلقد صَعِدْتَ إلى السماءِ نُزُولا
يكفيك أنّ اللهَ جلّ جلالُهُ
أدناكَ منه محبةً وقَبولا
مُنْذُ الْتَقَتْ حَوّا بآدمَ، واهتدى
موسى، وجَدّفَ نوحُ كنتَ رسولًا
مُنْذُ ارتعاشِ الماءِ أوّلَ مرةٍ
حتى امتلاءِ لظى الجحيمِ عويلًا
أنت المقدّسُ والمُخَلّصُ أُشهدُ ال
قُرآنَ والتوراةَ والإنجيلا
ولقد ذُكرتَ مَشَارقًا ومَغَاربًا
وأجارَ ذكْرُك بُكرةً وأصيلًا
بدمي وقلبيَ مَنْ إذا أبصرتَهُ
أبصرتَ سَمْحًا لا يُضامُ جليلًا
ليس الهلالُ سِوى قُلامةِ ظُفْرِهِ
فَمَنِ ارتضى البَدْرَ المُطِلَّ مَثيلا!
فَاقَ الجمالَ وحقِّ ربِّ مُحمّدٍ
لم يُوْفِهِ مَنْ قال: كان جميلًا
لا تَرْتَوي الأبصارُ منه جلالةً
فتُردُّ نحْو يمينِهِ لِتَنُوْلا
ضرَبَتْ مهابتُهُ القلوبَ ولم يَزَلْ
كُلّ الذي في كفّهِ مأمولًا
سَمْحٌ إذا بَسَطَ اليمينَ رأيتَهُ
يُعطي الغريبَ كما يُؤمِّنُ جيلًا
أنّى تَوَجّهَ في المدينةِ عائلٌ
لا يَلْقَ غيرَ الهاشميّ مُعِيلا
أنّى تَوَجّهَ في المدينةِ عاثِرٌ
لا يَلْقَ غيرَ الهاشميّ مُقِيلا
أَفَمَنْ أقالَ الأرضَ عثْرَتَها كَمَنْ
عَثَرَتْ به واسْتَحْصَدَتْهُ حَصِيلا
بأبي وأميَ لا اشتراكَ لغيرِهِ
معَهُ لأُطلقَ أفعلَ التفضيلا
آوى وأغدقَ قَدْرَ ما رَسَخَ اسْمُهُ
وامتدّ عَرْضًا أو تعملقَ طُوْلا
وتكفّلَ المُستشفعين بِهِ كما
لو كان عن آحادِهم مسؤولًا
يأتونه بالمُغلقاتِ عواصيًا
فيردّها بالمُعجزاتِ ذَلُولا
ومن اتقى النقصانَ طافَ على اسْمِهِ
حتى يرى المتربّصين فُلُوْلا
ومن استرابَ أتى بحُبٍّ صادقٍ
كي لا يعودَ وراءَهُ مخذولًا
بأبي وأميَ ما تشرّبَ حُبَّهُ
قلبٌ وكان مصيرُهُ مجهولًا
لا والذي كتبَ الصحائفَ لم يَزَلْ
يُمْلي الصلاةَ على النبيّ هُطُوْلا
ما حَدَّ حَدًّا للنبيّ مُحَمَّدٍ
ليُقالَ طِبْتَ إلى هُناك وُصُوْلا
يا ربّ صلِّ على النبيّ وآلِهِ
ما أشعَلَتْ كلِماتُهُ قِنديلا
يا ربّ صلِّ على النبيّ وآلِهِ
ما رامَ قَصْدًا في الحياةِ نبيلًا
يا ربّ صلِّ على النبيّ وآلِهِ
ما دُمْتَ رَبًّا بالعِبادِ وكيلا