ما كنتُ أرضى معانيْها لأقبلَها
حقائقًا منك تستوحي معانيها
هل صحَّ لما بلغتَ السِّتَّ سِرْتَ إلى
طه ودعوته العليا تلبّيها؟
في دار طه وفي أكناف دعوته
نشأتَ لو عرفوا فضلاً لناشيها
وُلدتَ في البيت معصومًا وجئت إلى
دارٍ تضاهي علاه تنتشي فيها
فهل لهم سيرةٌ من قبلها عرفت
أجلّ منها إلى الإسلام توجيها؟
وهل لهم ما تغنّوا مثله شرف
يرويه من صفحات الحمد راويها؟
مولايَ آمنتَ من يومٍ رأيتَ به
وجهَ البسيطة بالدعوى وداعيها
رسالةُ المصطفى من قبل نشأتها
آختك في مهدك الزّاهي أواخيها
فكيف يقبل عقلي ما رماك به
مؤرّخٌ كتب التاريخ تمويها؟
لو أنه أحكم الرأي السديد بدت
له الحقيقةُ في أسمى مجاليها
لبّيتَ دعوة طه ما وقفتَ لها
حتى مشى من ليالي الستّ ماشيها
عرفتها قبل أن تعدو مرفرفةً
بنودها بربوع الأرض تُحييها
نبتْ بطه على دعواه مَكَّتُهُ
وأحجمَ القوم فيها عن تلقّيها
وأجمعوا أمرهم يأتون منزله
وقد تهادى من الظلماء ساجيها
ليقتلوه وينجو من رسالته
ويأمنوا في بواديهم تماديها
فخفَّ جبريل من أطراف جنّته
يحمي حقيقة طه من أعاديها
خاف الأمين على طه ودعوته
منهم فأسرع يُنجيه وينجيها
وشدَّ طه إلى دارٍ مباعدةٍ
ركابه في فجاج السّيل يُزجيها
لمّا رأى السيفَ من طيّات مغمدِهِ
يُنضى تولّى كسيرَ العين باكيها
وقال للمرتضى والنفسُ موجعةٌ
فيها سهامٌ من الآلام تُدميها
داري إذا أنا لا أُلفى بساحتها
فنم بها ليظنّوا أنني فيها
وهذه كتبٌ عندي لهم وضعتْ
فأدّها بعد أن أغدو لأهليها
يا لهفَ قلبيَ عن ساحات مَكّتِهِ
طه تناءى وعن زاهي ضواحيها
خلّى لينشر دعواه مسارحها
وفات من أجل دعواه مباهيها
تسلَّمَ البيد تطويه مخاطرها
على ركابٍ له خفَّت ويطويها
ونام في الدّار لم يجزع أبو حسنٍ
على الفراش وديعَ النّفس هاديها
غفا به ملءَ جفنيه يهدهده
حلْمٌ إذا رمقته العينُ يسبيها
حلْمٌ ألذُّ من الأطياب عالقةٌ
عليه من روعة الدعوى تَزاهيها
حلمٌ تُطِلّ به الجنّاتُ ضاحكةً
كأنه رفَّ من أحلام واديها
مولايَ أيُّ فؤادٍ أنت تحمله
لم يخشَ من جلبات الشرك داويها
ما خفتَ من فئةٍ جاءت إليك وقد
ترنَّحت بأياديها مواضيها
لقيتها وجناحُ الليل يسترها
بحالِكِ الريشِ صلبِ لا يباليها
لقيتَها فتوارت عنك مائلةً
كأنما البيض ما كانت بأيديها
مالت وأسيافُها بالغمد نابيةٌ
ماذا يفيد من الأسياف نابيها؟
طه تناءى إلى دارٍ مقدّسةٍ
تنشّقت طيبَ دعواه روابيها
ونمتَ في داره تفدي رسالته
سواك يا سيّدي من كان يفديها؟
حويتَ لما مشى طه لهجرته
مكارمًا غير طه ليس يحويها
رعيتَ ذمّةَ طه في أمانته
وليس يغرب أن نلفيك راعيها
رعيتها نسماتِ الطهر شائعةً
منها كبِيض ورودٍ في بواديها
كرّمت حاضرها من بعد هجرته
حتى تفتَّقَ مزهوًا كماضيها
أدّت يداك إلى كلٍّ أمانته
كما توصّاك طه أن تؤدّيها
ورحتَ تلحقه مشيًا ليثربه
وما خشيتَ لمرآه فيافيها
لحقْتَه تتحلّى من محاسنه
وتستقي منه نعمى طاب ساميها
هاجرتَ تحدوك في بيدٍ مروّعةٍ
عزيمةٌ لم تكن بيدٌ لتثنيها
وجئت كالبدر طه كل منقبةٍ
ترى على وجهك الحالي مرائيها
أتيتَه لم تخفْ بعدًا تساعده
على بناية دعوى كان يبنيها
وأنت ما زلت من وجدٍ ومن شغفٍ
ترعى بسيفك دعواه وتُعليها
لمّا انتهيت إلى طه بيثربه
آواك طه بدارٍ كان يأويها
صحبتَه قبلُ في ساحاتَ مكَّتِهِ
وجئت صحبته الأولى تُثنّيها
يا حبّذا صحبةٌ طابت مناهلها
روتك من سلسل التقوى غواديها
آخاك طه لآياتٍ ممتَّعةٍ
وطيّباتِ خصالٍ فيك يُلفيها
وحسبُ نفسك من فخرٍ ومن شرفٍ
أن راح في يثربٍ طه يؤاخيها
لا تقبلِ النفس خدنًا في معاشرةٍ
إلا إذا كان في خُلْقٍ يحاكيها
وأنت أشرقْتَ من أطياب طينته
طينًا تجمَّعَ فيه كل ما فيها