إنَّي أراك بكلِّ ناحيةٍ كما
في ومضةِ البرقِ المهيب إذا انتشرْ
وأراك في الغيمِ البعيد وكلّما
هبَّ المساءُ وجاءَ صوتُك في المطرْ
وأراك في بردِ النوافذِ حينما
تغفو المدينةُ تحت أغطيةِ السهرْ
وأراك أوضحَ ما تكونُ إذا اختفى
ضوءُ النهار وضاقَ بي وجهُ القمرْ
وأراكَ حين الأرضُ تفتحُ صدرَها
للغيثِ، أشبهَ بالرجاءِ إذا انهمرْ
وأراكَ في الطرقاتِ مبتلَّ الخطى
تمضي، ويخذلني النداءُ فلا أثرْ
كلَّ الرصيف يراكَ، حتّى بابكمْ،
مصباح شارعكمْ، وكلَّ المنحدرْ
حتى المقاعد في الزوايا أُرهقتْ
مَن حولها، وتنفَّسوا طول السفرْ
أشيائكمْ وجعٌ يئنُّ كأنّهُا
شبحٌ يكاسر من أحبَّ ومن هجرْ
يا أنتَ.. كيف تركتَ قلبي تائهًا
بين انتظارٍ لا تجيءُ ولا تذرْ؟
الريحُ تحملني إليكَ، كأنَّها
أمٌّ تدافع عن صغيرٍ من خطرْ
والليلُ يفتحُ دفترَ الذكرى على
وجعي، ويقرأُ ما محوتُ وما استترْ
كلّ الأماكن غاب عنها صوتكمْ
وغدتْ ظلالاً لا أجيد لها النظرْ
أمشي لها، أمشي وأرجعُ كلّما
قرأ الفؤاد خيالها ثمّ انكسرْ