يا ساقيَ الجلاّس بالله لا
تحفل بكاسيْ بين هذي الكؤوسْ
أترِعْ لغيري الكأس، أمّا أنا
فاحسب كأني لست بين الجلوس
واعبر، ودعني فارغ الكاسِ
لا، لا تقل ما طابت الخمر لي
أو أنني ما بينكم كالغريبْ،
بل إنّ لي يا صاحبي خمرةً
ما مثلها يُطفي بروحي اللهيبْ
أعصرها من قلبيَ القاسي
يا مرسلَ الألحان من عوده
سحرًا يهيج الصبَّ حتى الجنونْ
إمّا رأيتَ الرأس منّي انحنى
والعين غابت خلف ستر الجفون
فلا تقل ذي حالُ ولهانِ
لا، لست بالولهان يا صاحبي
فالقلبُ منّي جامدٌ كالجليدْ
لكنّني مصغٍ لنفسي، ففي
نفسيَ أوتارٌ وفيها نشيدْ
فاضربْ، ودعني بين ألحاني
يا ساكنَ القصر الجميل اغتبطْ
يا صاحبي، واهنأ بقصرٍ جميلْ
ولتسفك الأيام من كوثر الْ
لَذّاتِ ولتمنحْك عمرًا طويل
تجني الهنا عامًا ورا عامِ
لا، لا تقل ما راقني قصرك ال
عالي أوَ انى لم يطب لي هواهْ
بل إن لي يا صاح قصرًا أبتْ
نفسي بأن تلجا لقصرٍ سواهْ
ذا قصرُ أفكاري وأحلامي
يا جالسًا بين اللحود التي
سكّانها أضحوا ترابًا ودودْ
إي، إنّ من تبكيه يا صاحبي
لا شكّ خِدْنٌ أو صديقٌ ودود
أو، إن تشا، قل خير إنسانِ
لكنْ غدًا تنساه، أمّا أنا
ففي حياتي كلَّ يومٍ دفينْ
إذ إنني أجتثّ زاد البلى
منّي، وكم يبلى رجاءٌ ثمينْ
في لحظةٍ من عيشنا الفاني!
يا حاشدَ الأموال فلسًا إلى
فلسٍ يكدّ الليل قبل النهارْ
أيامه صفرٌ كأعوامه
لا لونَ فيها غير لون النّضارْ
عمياء تجري حيث لا تدري
لا والّذي الأقدار خدّامه
ما في فؤادي غصّةٌ من غناكْ
إذ قد حباني الحظّ بعض الغنى
يا صاحبي من غير ما قد حباك
فاحشدْ ولا تشفقْ على فقري
يا حامل الإنجيل يدعو إلى
نبذ المعاصي منذرًا بالعقابْ
بشّرْ وخلّصْ يا أخي أنفسًا
ضلّت لكي تلقى جميل الثوابْ
إذ ينصب الديّان ميزانه
إمّا صمَمْتُ الأذن عنك فلا
تغضبْ ودعني في ضلالي أهيمْ
إذ لي فؤادٌ قد حوى جنةً
والله أدرى كم حوى من جحيمْ
فاكرز، ودع قلبي وأدرانه
يا زهرة ما بين شوكٍ نَمَتْ
لولا شذاها ضلّ عنها البصرْ
هل تدرك الأشواكُ يا زهرتي
أنّ الشذا هذا شذاكِ انتشرْ
في الحقل لا عِطْرٌ لها فاحا؟
هل تدرك الأشواك ما تدركينْ؟
هل عطّرَ العلّيْق أذيالَهُ
من حيث تمتصّين أنت الأريجْ؟
أم حاك غير الشوك ثوبًا له
من حيث حِكْتِ أنت أبهى النسيجْ؟
قد تصبح الأشواك آقاحا
لو تعرف الأشواك ما تعرفين!