تخطَّ إلى المحتوى

إذا استأسد البغض الجهول تزنق

غير معروف

٤٤ بيت

الحماسة

إذا استأسدَ البُغْضُ الجهولُ تَزَنَّقَ

وَباتَ يُسوِّرُ للحُرُوبِ ويَفتَقُ

فَما لِشُيوخِ العِزِّ في الأرضِ منزلٌ

إذا نَامَ أبناءُ الكِرامِ وأَطرَقُوا

وَما المجدُ إِلّا في دِماءٍ سخيّةٍ

إذا هَبَّ رَكْبُ النائباتِ وسَبقُوا

وَمن رامَ عِزًّا دونَ سيفٍ مهندٍ

فذاكَ خَيالٌ في العُيونِ مُشَفَّقُ

صَبرتُ ولكنْ في الضُّلوعِ زَلازِلٌ

إذا قِيلَ: هذا العدلُ عادَ وَأزهقُ

فَويحَ امرئٍ يَغفو على جمرِ سَيفِهِ

ويَحسِبُ أنَّ الصَّمتَ للذُّلِّ مِرفَقُ

تَذلُّ الجيادُ اليومَ إن لم تُسْرَجِ ال

عَوالي، وإن غابتْ سُيوفٌ تُشْرَقُ

كأنَّ الليالي وَهْيَ في الظلمِ ساجِرٌ

تُساقي كؤوسَ الذلِّ، والقومُ حُرّقُ

فَهبّوا كِرامَ الحيِّ إن طالَ خُسرُكمْ

فما ماتَ قومٌ بعدَ حقٍّ يُنْهِقُ

ولا خيرَ في قومٍ يُذِلّهمُ الفِتى

ويَصمُتُ شيخُ الحيّ والخطبُ مُحْدَقُ

إذا لم نُعِدْ للحَقِّ سَيفًا مُرهَفًا

فَسوفَ يُطَأْ حَقٌّ، ويُمحى ويُسْرَقُ

وما نَفعُ دَمعٍ في الخُدودِ مُهَرْهَرٍ

إذا لم يُزَكِّ العَزمُ ما كانَ يُحْقَقُ

فَللأرضِ يومٌ تستفيقُ من الطَّغى

وتَنفُضُ عنها كلَّ باغٍ ويُسْحَقُ

إذا ما اسْتَبَاحَ الظُّلمُ أرضًا وأهلَها

فَسيفُ الكِرامِ الحُرِّ أولى وألْحَقُ

فَسِرْ بينَ أشلاءِ الخُنوعِ كأنَّما

جَناحُكَ شمسٌ والجبانُ تَشَقْشَقُ

وَلا تَحْسَبَنَّ الموتَ يُطفِئُ مِجدَنا،

فَفي القَبرِ مَجْدٌ، إنْ مَضى الحُرُّ يَصدُقُ

فَلا عاشَ من يَرضى المذلّةَ مَذهَبًا،

ولا دامَ عيشٌ للعبيدِ ويَفْسُقُ

وَكُنْ حُجّةً في الناسِ إن ماتَ منطقٌ،

وَكُنْ سيفَ حَقٍّ إنْ تمادى المُفَرِّقُ

وَكُنْ رايةً في الصَّمتِ تعلو كأنّها

مَدى الطودِ، لا تُخزى، ولا تتحرّقُ

وَخُضْ غَمرَةَ الأحداثِ إن زادَ لفحُها،

فَما النارُ تُحْرِقُ مَن أرادَ وأَحْرَقُ

إذا لم نَكُنْ جِدًّا، فمَنْ يَمنعُ الرَّدى؟

ومَنْ في الوغى لِلسَّيفِ إنْ لم يُشْهِقُ؟

أَقُومُ على جُرحِ الزمانِ كأنّني

جَناحُ العُقابِ، الحُرُّ، الجارحُ المُطْبِقُ

وَأَسْكُبُ من صوتِ الحقيقةِ صَاعِقًا

يُفَجِّرُ سِربَالَ البُهتانِ وَيَمْحَقُ

أَموتُ وفي جَفْني بَريقُ كَرامَةٍ،

وَفوقَ لِوائِي عَزَّةٌ لا تُلَفَّقُ

وَمِنْهَاجُ أحرارِ الشعوبِ سَناهمُ

إذا ما الدُّجى طَالَ، استنارُوا وأَشْرَقُوا

تَرَكتُ الهَوَانَ لِمَنْ يُبَاعُ برِغْبَةٍ،

وَمَا نَفْعُ نَفْسٍ لِلسُّيوفِ تَصَدَّقُ؟

فَإِنّي أُحَطِّمُ كُلَّ جِذْعٍ خَسِيسَةٍ

وَأَصعَدُ حَتّى يَخْفُقَ النَّجمُ أَخْفَقُ

وَأَركَبُ في ليلِ العُدَاةِ مَهابةً

كَأَنِّيَ في وَقْدِ النُّجُومِ مُعَلَّقُ

وَما خافَ مَن في كَفِّهِ عِزُّ سَيفِهِ،

وَمَنْ صَدَقَ الهِمَّاتِ حَقًّا تَحَقَّقُ

سَأمْضي وإنْ هاجَتْ عَليَّ جُموعُهُمْ

كأنِّيَ إعصارٌ يُعادي ويَخْرُقُ

وَأبني على جَمرِ الفَداءِ مَعاقِلًا

إذا خانَتِ الأيامُ، فالموتُ أَصْدَقُ

أُغَرِّدُ في سجنِ العُروبةِ حُرَّةً،

وفي الكَفِّ جُرحٌ، والفُؤادُ مُفَرَّقُ

وَأحمِلُ آمالَ الشعوبِ كأنّني

يَراعُ نبيٍّ لا يُهانُ ويَخنُقُ

وَإِنِّي سِلاحٌ من دُموعٍ ونارِنا،

إذا انطفأتْ أَقسَمتُ أنْ لا تُطْفَقُ

وَإِنّي جَبَلْتُ العِزَّ في صَفَحاتِهِم

فَخافوا دُجايَ، وخافَ نُوريَ المُشْرِقُ

وَسِرْتُ على وجْهِ الكرامةِ صاعدًا

كأنّ التُّقى تاجٌ، وشِعري مُصَدَّقُ

تَساقَطَتِ الأوهامُ لمّا عَبَرتُها،

وَذابَتْ جِباهُ الذُّلِّ حينَ تَفَقَّقُوا

فَمَن شاءَ أن يَسقِي الذلُولَ حياتَهُ

فَذَلِكَ فَرعٌ لا يُهابُ ويُجذَقُ

وَمَنْ كانَ حُرًّا فالجبالُ تُهابُهُ،

وإنْ ماتَ ماتَ، وسيفُهُ ليس يُغْمَقُ

هُوَ الدَّهْرُ لا يَرْضى بعبدٍ مُكَرَّمٍ،

ولا يمنَحُ العلياءَ إِلّا لمَن حَقَّقُوا

فَكُنْ نارَ ثأرٍ إنْ تَساقطَ عِزُّكم،

وَكُنْ من هُمامٍ في الصُّعابِ تَعَلَّقُوا

وَلا تَسْتَسِغْ صَفْوَ المذلّةِ إنّها

كَماءِ سرابٍ في الهجيرِ يُشَهَّقُ

وَمِن لا يُجَرِّبْ خَوضَ حَربٍ لِعِزّةٍ،

فَفَوقَ ثَراهُ الأُسْدُ تَمشي وتَشْفُقُ

سَلامٌ على مَنْ لا يُذِلُّ جَبينَهُ،

وَيَمْضِي إذا ناداهُ فَجْرٌ مُشَرَّقُ.